أُنزِلَ إِلَيْكم...)، وقوله: (... يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ...)، أي يتبعون الحسن وهو القرآن أحسن القول.
وقوله تعالى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ)، أي خذها بعزم صادق على تنفيذ أحكامها من غير هوادة، والمراد بالأخذ بقوة لازمها، وهو العمل بقوة وصدق، والأمر لموسى هو أمر لأمته، وصرح بأمر حسن بلغ أعلى درجات الحسن، كما ذكر فقال: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) وأشار - سبحانه - إلى أنه سيكون من يفسق عنها من قومه، وذلك ببيان أنه سَيُرى موسى وخاصته الفاسقين ومكانهم، فقال تعالى: (سَأُرِيكمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) أي: الفاسقين من بني إسرائيل، ومؤدى القول: ستعلم منازلهم وفسقهم ودرجاته.
ويصح أن يقال (١): (دَارَ الْفَاسِقِينَ) هي دار فرعون ومن سبقه من الفاسقين، وعندي أن التخريج الأول أوضح، ويؤكده قوله تعالى بعد ذلك:
_________
(١) في النسخة المطبوعة [سقين] وأظنها وضعت بطريق الخطأ. والله أعلم. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).
(سَأصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ... (١٤٦)
التكبر في الأرض بغير الحق ولا يكون التكبر بحق قط، وهذا وصف كاشف لبيان مضرة الكبر وفساده أن التكبر يجعل التكبر لَا يفكر إلا في نفسه وما يستعلى به على الناس، فإذا غمره كبره في هذا لَا يرى إلا من ورائه، فلا يتجه نظره إلى ما يجب عليه، بل يتجه إلى ما يحسبه حقا له، وبذلك ينصرف عن الخير منصرفه فيصرفه الله عنه، وهذا قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، فصرْف الله تعالى للمتكبرين نضيجة حتمية لانصرافهم لغمرتهم في الكبر، فهو سبب هذه النتيجة وقوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ)، هو كشف لحقيقة المستكبرين من الطغاة والحكام، وكل المفسدين في الأرض.
ولقد صور الله تعالى تفكيرهم فقال في نظرهم إلى الحق وإلى الباطل تعالت كلماته: (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا)، لأن قلوبهم صرفها هواهم عن الحق، فصارت متدرنة بالباطل لَا تستسيغ الحق. إن كل آية، أي آية مهما تكن