هؤلاء اختاروا الدنيا، وأخذوا بأدنى ما فيها، وهي خبائثها ومحرماتها، فكانوا أشد لهجة من غيرهم، بل من بعض الذين لم ينزل عليهم كتاب سماوي به مواثيق أخذت عليهم وتدارسوه.
ونسوا الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم لمن أطاع، وعذاب أليم لمن ضل وغوى، وقد ذكَّر الله تعالى بها في مقام نسيانها فقال تعالى: (وَالدَّارُ الآخِرةُ خَيْر لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ)، أي أنها في أعلى درجات الخير للذين يتقون الله وامتلأت قلوبهم بذكره، فأعرضوا عما نهى عنه، وطلبوا ما أمرهم به.
وخاطب الله بني إسرائيل بما يدل على أن غوايتهم وأهواءهم أفسدت عقولهم، فصاروا لَا يدركون، فقال تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) الفاء هنا لترتيب إنكار أن يعقلوا على ما يفعلون، وأخرت عن همزة الاستفهام؛ لأن الاستفهام له الصدارة بحكم تنسيي القول العربي، والمعنى فانتم لَا تعقلون؛ لأن الاستفهام إنكاري توبيخي، فهو تأكيد لحضهم على التفكير، وتوبيخ على عدم التفكير في عواقب أمورهم، وإن العذاب يستقبلهم بسوء ما يفعلون.
هذا شأن العصاة منهم، وهم الأكثرون؛ إذ فعلوا الشر، ولم يستنكر أكثرهم، ولقد ذكر من بعد ذلك الصالحين بعد أن ذكر فضل الدار الآخرة على الحياة الدنيا، فقال:
(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)
إذا كان عصاة بني إسرائيل قد استهانوا بأحكام التوراة، معرضين عنها إهمالا، فتقاتهم قد استمسكوا بها؛ لأنها العروة الوثقى لهم، وقال تعالى في استمساكهم بها: (وَالَّذِينَ يُمَسكُونَ بِالْكِتَابِ) وفي قراءة " يُمْسكون " بتسكين اللام وكسر السين، وقالوا إن معنى يمسكون به: يستمسكون به، وفي اللغة: مسك به واستمسك به، وتمسك به كل بمعنى واحد.


الصفحة التالية
Icon