وقد قال تعالى: (فَادْعُوهُ بِهَا) الفاء للإفصاح، أي إذا كانت الأسماء هي صفات الكمال المطلق، فادعوه بها أي نادوه في دعائكم وضراعتكم إليه بها.
(وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ)، أي يتخذون الإلحاد والشرك في أسمائه، وذلك بالزيادة فيها بما لايليق بالذات العلية أو يغيروها بما لَا يليق بذاته، كالمعطلة والمشبهة الذين يفسرونها بما يشبه الحوادث، أو ينقصون منها تبعا لأهوائهم، وقوله تعالى: (ذَرُوا) أي اتركوهم بمعنى لَا تقيموا لقولهم وزنا، ولا تتبعوا ما يقولون.
ثم ذكر الله تعالى جزاءهم فقال: (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السين هنا لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل، وقد قدروا الباء، أي: سيجزون بما كانوا يعملون.
وإن حذف الباء فيه إشارة بيانية، وهو توافق الجزاء مع العمل، حتى لكان الجزاء هو العمل ذاته، لاتحاد السبب والمسبب، فكان جزاء وفاقا للعمل لَا يزيد عليه، وقد يغفر له متغمدا له برحمته.
وقد ذكر الله تعالى الضالين ممن ذرأ من الجن والإنس، وأنهم كثيرون، وليسوا قليلا ذكر المهتدين، فقال تعالى:
(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
ليس الناس جميعا أشرارا، بل إنه من رحمة الله تعالى بعباده أن كان الوجود لَا يخلو من الأخيار الذين يقاومون أهل الشر، ويدفعون شرهم (... وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).
وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أخيار الناس فقال تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ)، أي من الذين خلقناهم من الجن والإنس من ذريتهم أمة طائفة مجتمعة على الهدى والخير يؤم كل واحد منها الجماعة، ويعينها ويقصدها بخير،


الصفحة التالية
Icon