وكفرهم، وكلما أمعنوا في لذاتهم وشهواتهم وما مكنوا منه، ازدادوا إثما، حتى إذا امتلئوا آثاما بما كسبت أيديهم أخذوا أخذ عزيز مقتدر، وما أفلتوا من عقاب شديد، ولذا قال تعالى مبينا ما بيته لهم: (إِنَّ كيْدِي مَتِين)، هو التدبير للأشرار معاملة لهم بمثل تدبيرهم وشرهم، وإيذائهم لأهل الإيمان (مَتِينٌ)، أي غليظ شديد مأخوذ من من الجسم وهو الجانب القوي في عظامه.
وإنه قد قالوا: إن هذه الآية نزلت في كبراء قريش الذين كانوا يؤذون المؤمنين وخصوصا ضعفاءهم، فالله تعالى يبين لهم أنهم مأخوذون وسينتقم الله تعالى منهم، وقد أخذهم الله تعالى بذنوبهم في موقعة بدر، أخَذ الذين بالغوا في إيذاء النبي - ﷺ - أخذ عزيز مقتدر.
ونقول: إن عموم الآية يشمل هؤلاء وغيرهم ممن يظهرون مغترين، يقولون في غرورهم نحن أكثر أموالا وأولادا، فالله تعالى يمهل ولا يهمل.
وإن اغترار المشركين بالمال والنفر يمنعهم من التفكير في مآل أمرهم، والداعي إلى الحق وماضيه، ولذا قال تعالى:
(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)
لقد كان النبي - ﷺ - الأمين الصادق في قريش، وعاش بينهم أربعين سنة كان يعرف بينهم بالأمين، وإذا ذكر اسم الأمين لَا ينصرف إلا إليه، يحكم بينهم في خلافهم إذا تنازعوا، ويرتضون حكمه إيمانا بعقله وكمال تدبيره، فلما دعاهم إلى الحق وترك عبادة الأوثان قالوا مجنون، وقد رد الله قولهم بقوله: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُون).
ولما رموه بهذا دعاهم الله أن يتدبروا ما يقولون، ويوازنوا بين قولهم هذا وما عرفوه من قبل، حتى يدركوا الحق وينفوا قولهم فيه، فقال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) أي يقولون هذا القول، ولم يتفكروا، ويعلمون أنه ما بصاحبهم من جِنَّةٍ، فالتفكر ليرودا عقولهم إلى ماضي قولهم فيه من أنه العاقل الأمين في


الصفحة التالية
Icon