أما الصبر فقد أمر به في آيات كثيرة، وقد أمر بالثبات، كما سيأتي في الآية الأخرى، وأما إرادة النصر فتكون بالإقدام، وذلك برؤية النبي - ﷺ - في المنام الأعداء قليلين، ورؤية النبي - ﷺ - وحي، وقد قال - ﷺ -: " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من الوحي " (١).
ومعنى رؤيتهم عددا قليلا، أنه - ﷺ - رآهم في حال يستهين بها، فلم يتكاثروا عليهم، ولم يتضافروا على المؤمنين، ورأى المؤمنين ظاهرين بارزين كأنهم كثيرون، وكأن أولئك قليلون من قوة الغلب، ومظاهرتهم عليهم، أو أنه يستتر عنه في منامه أكثرهم، فيستبشر النبي - ﷺ - بالنصر، ويفهم النبي - ﷺ - من تأويل رؤياه أنه سينصر أهل الإيمان، فما يفهم أن العدد قليل، ولكن يفهم أن الرؤيا الصادقة النصر المبين لَا محالة، وذلك لَا ينافي أن النبي - ﷺ - قدَّر عددهم بما بين تسعمائة وألف، وقد كانوا كذلك.
وقوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) إذ مفعول لفعل محذوف أي اذكر يا محمد لأصحابك (إِذْ يرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) و " قليلا " مفعول مطلق لموصوف محذوف أي عددا قليلا، ويقوم هنا الوصف مقام الموصوف.
وإن الله تعالى أرى النبي - ﷺ - العدد قليلا، ليقدم المؤمنون واثقين، فالثقة بالنصر تزيدهم قوة، وتدفعهم إلى الإقدام، ولا يصيبهم رهق ولا خوف، فيتقدمون واثقين بالنجاة.
ويقول تعالى: (وَلَوْ أَرَاكهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتمْ فِي الأَمْرِ)، أي لو أراكهم الله عددًا كثيرا قويا لأصاببهم الفزع ووراء الفزع العجز، وهذا معنى الفشل، فالفشل هو العجز، (وَلَتَنَازَعْتمْ) لاختلفتم في الخروج، ولكان فيكم من يخشى عاقبة الحرب مع قلة العدد، ومع قلة العدة، ومع قلة ما يحملكم، فلقد كنتم في قلة من الأمرين، ومع الاختلاف التنازع في الفكرة ثم التنازع من بعد ذلك فيما بينكم وبين أنفسكم.
________
(١) انظر مسلم: الرؤيا: باب - (٢٢٦٤).


الصفحة التالية
Icon