وإن ذكر الله إذا جهر به في الميدان ازداد المؤمنون حماسة، وألقى بالرعب في قلوب المشركين، وإن ذكر الله يجعلهم لَا يشغلهم عن الله شاغل، وتكون أجسامهم وقلوبهم لنصره، و (كَثِيرًا) مفعول مطلق أي اذكروا الله ذكرا كثيرًا بحيث لَا تتوقفوا عن ذكره مهما تشتد الحرب، وتلتحم السيوف وتتلاقى بالحتوف وقال تعالى: (لَعَلَّكمْ تفْلِحُونَ) أي راجين بثباتكم وذكر ربكم أن تفوزوا بالنصر، فالرجاء من الناس لَا من الله؛ لأن الله تعالى يعلم الغيب في السماء والأرض، ويعلم ما كان وما يكون.
وإن طاعة القائد والاتحاد أولى دعائم النصر، ولذا قال عز من قائل:
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)
إن الله سبحانه وتعالى يأمر بطاعته ورسوله في هذه الحرب التي أمر الله تعالى فيها بالثبات وذكر الله كثيرا، والأمر بطاعة الرسول في الحرب أمر بطاعة القائد؛ لأن الرسول - ﷺ - في الحروب التي قامت في عهده كان هو القائد، وطاعة القائد واجبة لأنه المُنَظِّم، وإذا كان ذلك وواقعة أحد التي خولف فيها القائد فكانت القتلة في المسلمين، وإن لم يكن الانهزام كما تصور بعض الأقلام، فيكون ذلك من الله تنبيها لما يقع، وهو علام الغيوب، وإن طاعة الرسول - ﷺ - في الحروب هو بكونه قائدا فيكون أمراً بطاعة القائد، فإن طاعته إذا كان دربة مخلصا من أسباب الانتصار.
وطاعة الله هي لب الاستقامة، وطهارة القلوب، وهي التي تكون بها قوة الإيمان، وقوة الإيمان دعامة الانتصار، وهي قوة الجهاد، ودعامة الصبر، وتلك عناصر الجهاد الحق في سبيل الله تعالى.
وذكر تعالى بعد الأمر بطاعته ورسوله - النهي عن التنازع، والنهي عن التنازع يكون أولا بالنهي عن الخلاف، فإن الخلاف يؤدي إلى النزاع، والنزاع يؤدي إلى التنابذ والتدابر، وأن يكون كل فريق جمعا منفصلًا عن الآخر، ويكون بأْسُهم


الصفحة التالية
Icon