(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهمْ) (إن) مدغمة في (ما)، و (ما) زائدة لتوكيد القول، ولذا جاء في الفعل نون التوكيد وجوبا. أو قريبا من الوجوب، والتأكيد للفعل، أي إن تأكدت من وجودهم، فلا تجعلهم يفلتون من يدك، واضربهم الضربة القاسمة التي تفزع من خلفهم فيشردون، بدل أن يكونوا مجتمعين للشر، فضرب من يقع في اليد من الأشرار ضربات قاسمة يجعل من خلفهم ممن هم على شاكلتهم مشردين غير مجتمعين، ومعنى (تَثْقَفَنَّهُمْ) تجدهم في ثِقاف، أي حال ضعف تقدر فيها عليهم، وذلك من قوله ثقفته أي وجدته.
وقوله تعالى: (فِي الْحَرْبِ)، أي انساقوا إليك محاربين، وقدرت عليهم فاغلظ عليهم واضربهم الضربات القاسمة التي تجعلهم نكالا لغيرهم، فلا يستمرئون الشر بعد ذلك، وقال تعالى: (فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ) أي شرد بضربهم والتنكيل بهم مَن خلفهم، فإذا رأوا الهوان ينزل بمن هم على شاكلتهم جزاء غيهم، فإنهم لَا يجتمعون لحرب أهل الحق بعد ذلك؛ إذ إن ضرب الذين جاءوا للحرب وأخذهم بالسوق والأقدام يجعلهم لَا يجتمعون على قتال لأهل الحق، فلا يهاجمون المؤمنين من بعد ذلك؛ ولذا قال تعالى: (لَعَلَّهمْ يَذكًّرُونَ) أي رجاء أن يعتبروا بغيرهم، ويذكروا مآلهم الذي يستقبلهم بما يرون فيمن تقدَّموهم، إن في ذلك لذكرى لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)
" إما " هنا كما في قوله تعالى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ) هي " إنْ " الشرطية مؤكدة بلفظ " ما "؛ ولذا أكدت بالنون الثقيلة، ويكون تأكيدا للشرط، فهو تأكيد للخوف، والمعنى إن خفتم خوفا مؤكدا توافرت أسبابه، حتى يكون توقع الخيانة أمرا ثابتا قامت أماراته وبدرت بوادره، (فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء) أي اطرح عهدهم وانبذه نبذا ظاهرا معلوما تكون وهم على سواء، لَا يربطكم، ولتأكد الخوف قال بعض المفسرين: إن معنى الخوف هنا العلم.