إنهم لن يعجزوا الله، ومهما ينالوا من سبق فلن يعجزوا الله عن أخذهم من نواصيهم بالهزيمة في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
ولكن هزيمة الدنيا لَا بد لها من أسباب يقوم بها العباد بتوفيق الله تعالى، والتوكل عليه سبحانه بعد الاستعداد بالعدة، وأخذ الأهبة والعزيمة والصبر؛ ولذا قال تعالى:
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ... (٦٠)
(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قوَّة وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) هذا أمر تكليفي وهو فرض كفاية على الأمة الإسلامية يجب على الأمة كلها أن تتعاون في إعداد هذه القوة، بالدربة، والتعليم والرمي، وكل ما يربي الجند القوي.
فلا بد من التربية على الجندية، وإعداد عدة القتال، وذلك بالمستطاع بل بأقصى ما يستطاع، ومن هنا بيانية في قوله (مِّن قُوَّةٍ) وهي تدل على عموم القوى، فأعدوا كل ما يمكن أن يكون قوة في الحرب من دربة على الرمي بالسهام، ولقد كان النبي - ﷺ - يقول: " ألا إن القوة الرمي " (١)، كما روى عقبة بن عامر عن رسول الله - ﷺ -، وقد كان الراوي نفسه وهو عقبة راميا حتى لقد مات وعنده سبعون قوس رمي، ومن القوة الحصون، ومن القوة المنجنيق، وهكذا كل ما يكون سببا للقوة، ومنها من الماضي النار الإغريقية، ولم تكن معروفة عند العرب، وإن وجدت في الحروب الإسلامية.
فكل قوة مستطاعة يجب على الأمة أن تتضافر على إيجادها، وإلا أثمت كلها، ولم ينج من الإثم فقيرها وغنيها ولا قويها أو ضعيفها، فالقادر بقدرته، والضعيف بلسانه.
وقوله تعالى: (وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) معطوفة على (مِّن قُوَّة)، ورباط الخيل جماعة الخيل خمسة فأكثر، وقيل رباط جمع ربيط، وقيل رباطا مصدر - رابط،
________
(١) رواه مسلم: الإمارة - فضل الرمي (١٩١٧). كما رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي.