إلى أن يرتكبوا حماقات، وإنهم ليتعدون حدودهم، فيثيرون حديث الإفك حتى تململ منهم ذووهم، وأصبح أهل كل بيت فيه منافق يحرضون النبي - ﷺ - عليه.
وهكذا مضى أمرهم، والإسلام ماض في طريق الحق، حتى وصل إلى غايته، وهذا قوله تعالى: (وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهمْ كَارِهونَ) أي ظهرت أحكام الإسلام، وهي أمر الله، وانتشر في الوجود أمره، وهم كارهون، أي ظهر مع تدبيرهم الفاسد، وبغضهم الشديد له.
وكانوا يتدرعون بكل الحيل ليأذن لهم النبي - ﷺ -، والله تعالى في علمه المكنون أنهم لَا يخرجون وكره انبعاثهم، وما كرهه الله تعالى لَا يمكن أن يتحقق، ولقد ذكر الله تعالى بعضا مما كانوا يعتذرون به فقال تعالت كلماته:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)
كان المنافقون يتعللون بكل علة صادقه أو كاذبة، بل إنهم لم يتعللوا بصادق، بل كلها تعلات يقولونها بأفواههم وقلوبهم غير مطمئنة إلى الخروج؛ لأنهم يريدون التعويق، وهول القتال قد أفزعهم، وبعد الشُّقة قد أقعدهم، وكان من تعلتهم أن قالوا إننا نخشى فتنة النساء في الرومان لجمال نسائهم، روى أن الجد ابن قيس أخا بني سلمة قال له رسول الله - ﷺ -: هل لك في جلاد بني الأصفر، فقال: يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي ما رجلا أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول اللَّه وقال: " قد أذنت لك " (١).
ومعنى هذا أن الآية جاءت تمثل ضروب معاذيرهم الواهية التي لَا تقنع، إنما هو عدم الإيمان، وفزع النفاق، والزمخشري يفسر الآية على العموم، ويفسر " لا تفتني " أي لَا تأذن لي في الخروج فأقع في الفتنة التي لَا قبل لي بها وهي
________
(١) البداية والنهاية: سنة تسع - ذكر غزوة تبوك (ج ٥ - ص ٢١٢)، وتاريخ الطبري: (ج ١ - ص ١٢٣١).


الصفحة التالية
Icon