حتى أرى رأيي، فلما رجعا قال لهما رسول الله قبل أن يخبراه: " يا ويح ثعلبة " مرتين. فلما نزلت آية الصدقات جاءه ثعلبة بالصدقة، فردها النبي - ﷺ -.
وإن هذه القصة تصور كيف يكون الإنسان، وهو في حرمانه سليم القلب، فإذا جاءه المال أطغاه وأنساه ربه ودينه. وإن إخلاف الوعد، أو العهد الذي عاهدوا الله تعالى ينشئ النفاق، وينمي النفاق، ويجعله يتكاثف ويزداد، ولقد قال تعالى مبينا خلف وعدهم:
(فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)
(الفاء) لترتيب الإخلاف بالعهد، لأن الحلف لَا يزيد المنافق إلا خداعا، ولا يجعله يؤدي الحق فهو يكون على عكس ما يوجبه الإيمان إذ الإيمان يوجب الوفاء، والنفاق على عكس ذلك يوجب الإخلاف، وقد صور الله تعالى إيتاءهم وإخلافهم للعهد بقوله تعالى:
(فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ) ويبدو ذلك في الرواية التي رويت عن ثعلبة ابن حاطب، كيف بخل عن الواجبات المفروضة لَا عن الصدقات غير المفروضة، وتعلل بأن الزكاة أخت الجزية، وإنه كان عليه أن يتفضل بالخير؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله من حيث لَا يحتسب، وكان رزق الله تعالى فائضا.
وفى الآية الكريمة تصوير لنفس البخيل يؤتيه الله تعالى من فضله بعد أن وعد بأنه سيعطي ويتصدق، ويكون من الصالحين، ويوثق عهده بالأيمان المغلظة، ثم ينقض بعد ذلك عهده شحا بالمال، وقد زاده العطاء شحا، ويصور كذلك نفس المنافق، ولا ترتبط بعهد، ولا تصرّ على وعد، بل نفسه منفلتة دائما، وعاثرة، لا تستقر ولا يوثق لها، وإن المنافق إذا فقد الضمير والنفس اللوامة انماعت نفسه، فأصبح لَا يؤمن بشيء ولا يربط بعهد أو وعد.
وقد استنبط بعض فقهاء الزيدية من هذه الآية وجوب الوفاء بالعهد ما دام في غير معصية، والفقهاء جميعا على ذلك، ومصداقه قوله - ﷺ -: " من نذر أن يطيع