الْفَاسِقِينَ) وهذا بيان لليأس من أن يهديهم، والقوم الفاسقون هم الجماعة التي تمردت على الحق وفسقوا عن أمر ربهم، وتحالفوا على الضلال، وكلما بزغ بينهم داعي هدى أسكتوه، وكلما ظهر لهم نور الحق أطفأوه، فهم تعاونوا على الإثم والعدوان.
ولا يهديهم الله سبحانه وتعالى، لأنهم مسلوبو الإدراك، وأصبحوا سادرين في طريق الغواية، وإن أولئك المنافقين كانوا يفرون من الجهاد، ويفرحون بتخلفهم عنه، ولقد قال تعالى في ذلك:
(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)
(الْمُخَلَّفُونَ) هم الذين خطفوا عن الجهاد في غزوة تبوك وكانت في أشد الحر وفي وقت جني الثمار والاستنامة إلى الراحة في ظلال الأشجار.
وهم تخلفوا مختارين، ولم يتخلفوا مجبرين، ولكن عبر عنهم باسم المفعول للإشارة إلى أن الله تعالى لم يرد انبعاثهم كما قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦).
ولذا قال تعالى في النظم السامي (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ)، ولم يقل سبحانه (المتخلفون).
ولكن مع أنهم ثبطهم الله فخلفوا لم يكن ذلك بإرادة النبي - ﷺ - الظاهرة، بل إنه عليه السلام دعاهم كما دعا غيرهم، ولذا قال تعالى: (بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسولِ اللَّهِ) المقعد مصدر ميمي معناه القعود، أي بقعودهم مخالفين رسول الله - ﷺ - " فخلاف " مصدر بمعنى مخالفين، وقيل إن (خلاف) معناها خلف رسول الله - ﷺ - والمعنى على الحالين، أنهم فرحوا بقعودهم وراء رسول الله - ﷺ - مؤثرين أن