سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يخاف فيها الفوت، ولا الانقطاع، ولذا قال تعالت كلماته (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) والخلود ذاته نعمة؛ لأن البقاء نعمة، والفناء فيه الخوف.
(ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الإشارة إلى هذا الجزاء العظيم من رضوان منه، ورضا بأمره ونهيه، وقضائه خيره وشره وجنات متعددة الثمار مختلفة الألوان والأنواع، هو الفوز العظيم، ولا فوز يقابله أو يناهده، ومن ناله فقد نال خير الدنيا والآخرة.
ذكر الله تعالى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين جاءوا من بعدهم واتبعوهم بإحسان في وسط الكلام في المنافقين؛ ليتميز الخبيث من الطيب، وليكونوا قدوة لهم إن أرادوا الهداية، ولقد عاد القول إلى المنافقين فقال تعالى:
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)
هذا هو الصنف الثاني ممن شملتهم الآيات الكريمة، وهم الذين شغلوا الكثير من الآيات الكريمات، وشغلوا أفكار المسلمين بتخلفهم المرة بعد الأخرى، واعتذارهم الكاذب في كل مرة ويحلفون بالله كاذبين مجترحين الأثام بعد الأثام، ويكرر الله تعالى ذكرهم لأنهم آفة الجماعات، وداؤها الدوى، ولا تنهض جماعة إلا بإبعادهم عن بيئتها الفكرية.
(وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقونَ) وهم قبائل مختلفة - ذكر بعض المفسرين قبائلهم، فقال من مزينة وجهينة، وأسلم وغفار وأشجع، ناس منهم وليسوا كلهم، ولذا ذكر بعضهم فـ " مِنْ " في قوله: (مِمَّنْ) أي (مِنْ) المدغمة في (مَنْ)، أي بعض من حولكم من الأعراب منافقون أتقنوا النفاق وأجادوه، حتى إنهم ليحسنون إخفاء ما في بطونهم، فلا تعرفهم في لحن القول، كما تعرف


الصفحة التالية
Icon