قباء فإذا الأنصار جلوس، فقال - ﷺ -: " أمؤمنون أنتم " فسكت القوم ثم أعادها، فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أترضون بالقضاء " قالوا: نعم، قال - ﷺ -: " أتصبرون على البلاء " قالوا: نعم قال - ﷺ -: " أتشكرون في الرخاء " قالوا: نعم، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " مؤمنون ورب الكعبة " فجلس، ثم قال: " يا معشر الأنصار فما الذي تصنعونه عند الوضوء وعند الغائط "، فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط بالأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار بالماء، فتلا قوله تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).
ويفهم من هذا أن الطهارة فسرت بالطهارة الحسية، وأرى أن الطهارة الحسية مفهومة بالبداهة، وهي تجيء اقتضاء للطهارة المعنوية وكلتاهما مقصودة، وتمم الله تعالى الموازنة بين مسجد الهدى ومسجد الضرار، بقوله:
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)
(الفاء) في قوله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ...) هي لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي أنه يترتب على ذكر الحقيقة المقررة الثابتة، وهي أن المسجد الذي أسس على التقوى أحق أن يقوم فيه مصليا اتَّقَى، وأن فيه رجالا يحبون أن يتطهروا، وقد رتب على هذا إنكار أن يكون في مسجد الضرار خير أي خير، وقدمت (الهمزة) على (الفاء)؛ لأن الاستفهام له الصدارة دائما.
والاستفهام للإنكار والتعجب من المقابلة بين مسجد التقوى ومسجد الضرار، وأسس: وضع أساسه، والتقوى أساس مجاز، وتأسيسه على التقوى مجاز، والمعنى أفمن أقيم بنيانه على باعث من التقوى وخوف الله تعالى ورجاء رضوانه، ففيه تشبيه التقوى في نياتها، وطلب الرضا بالأساس المتين من البناء لقوة


الصفحة التالية
Icon