لجوجا، حتى كادت تزيغ قلوب فريق من هؤلاء المهاجرين والأنصار ولكن اللَّه سلم، وارتدت أفئدتهم فتاب اللَّه تعالى عليهم بسبب تلك الخواطر التي جاشت، وكادت تضلهم وإن ذلك من رأفة اللَّه تعالى بهم، ولذا ختم اللَّه سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رحِيمٌ) الضمير يعود على اللَّه جل جلاله، وهو مذكور قريبا من النص الكريم، وهو حاضر دائما في القلوب والعقول لمن تذكر، وتقديم الجار والمجرور في (بِهِمْ)، دليل على كريم العناية، يرأف بهم ويرحمهم، ويختصهم بذلك.
وكان في المخلفين ثلاثة تخلفوا من غير معذرة أبدوها، ومن غير سبب يبرر التخلف، وأحسوا بأنفسهم اللوامة تلومهم، وأمر النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم بمقاطعتهم تأنيبا وتهذيبا، وتربية لضمائرهم، فهؤلاء بعد التجربة الشديدة تاب اللَّه تعالى عليهم، ولذا قال تعالى:
(وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)
(الواو) عاطفة، والمعطوف عليه قوله تعالى على النبي والمهاجرين والأنصار، أي أن اللَّه تعالى تاب على النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم وعلى المهاجرين والأنصار، وعلى الثلاثة الذين خلفوا بعد أن طهروا قلوبهم، ومنهم من خرج من ماله كله، ولنتكلم في معاني ألفاظ النص القرآني السامي.
ووصف اللَّه الثلاثة بأنهم (خلِّفُوا) أي تركوا، ولم يكونوا مع الذين نفروا للجهاد في تبوك، وعبر اللَّه تعالى بالبناء للمجهول، ولم ينسب إليهم أنهم تخلفوا، بل لم يذكر مَنْ خَلَّفَهُم، وإنما الواقع أنهم ما أرادوا القعود ابتداء، من وصف حالهم أنهم تباطأوا، وأخذوا يؤجلون يوما بعد يوم، حتى فاتهم الركب، فهم خُلِّفوا، ولم يريدوا التخلف ابتداء ولكن آل أمرهم إلى التخلف، وما أن


الصفحة التالية
Icon