الامتراء هو الشك بعد اليقين، فالنهي عن الامتراء هو للاستمرار على اليقين والإيمان، وألا يتزلزل ذلك اليقين بفعل المشركين، وأن مؤدى ذلك القول هو تأكيد الحق وتثبيته لأتباع محمد - ﷺ - ولتئبيت فؤاد النبي محمد - ﷺ - وإيمانه الراسخ كالجبال أو أشد، فكثرة الدلائل تثبت اليقين كقول إبراهيم - عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي...).
وقوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) نص يوجب اليقين، فالحق وحده نور يجلو اليقين قد أكده سبحانه وتعالى بكلمه " قد " وباللام قبلها، وقال: (مِن رَّبِّكَ) أي الذي خلقك وربَّاك، ولذا رتب عليه النهي عن الافتراء.
(الفاء) في قوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها والنهي موجه في ظاهرة للنبي - ﷺ -، وهو موجه للناس عامة وأهل مكة خاصة.
(وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)
لقد جاء قوله تعالى بعد النهي عن الامتراء. وهذه الجملة القرآنية معطوفة على قوله تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) والنهي كالنهي السابق مؤكد بنون التوكيد الثقيلة وهو موجه إلى النبي - ﷺ - بظاهر القول وموجه للناس كافة، ومع ذلك فيه إشارة إلى النبي - ﷺ - سواسية في الخطاب بالحق مثلهم، وفي قوله تعالى: (وَلا تَكونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) نهى عن الامتراء، وأن الامتراء بعد الإيمان يؤدي إلى تكذيب آيات اللَّه تعالى، ولذا نهي عنه - ﷺ - بسياق القول وظاهر الخطاب، النهي للناس أجمعين، وجعل النبي - ﷺ - أسوة لهم في الخطاب كما هو أسوة لهم في الإيمان والنهي الموجه له يكون بالأولى نهي لغيره، ذلك ليفتشوا قلوبهم ويبعدوها عن الامتراء في الحق حتى لَا يؤدي ذلك إلى التكذيب بآيات اللَّه.
(وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّئوا بِآيَاتِ اللَّهِ) في قوله تعالى نهي مؤكد لأن يكون الرسول - ﷺ - في صفوف الكثرة الضالة التي خير منها القلة المؤمنة، فلا يقاس


الصفحة التالية
Icon