ثم انتقل قول العزيز الحكيم إلى خطاب النبي - ﷺ - فقال سبحانه: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) من هذا البيان الذي بيَّن الحق وأزهق الباطل، والمرية هي الشك، والأمر يمتد لمن خاطبهم النبي - ﷺ - لأنه نهي على أبلغ الصور؛ لأنه إذا كان نهيا من اللَّه تعالى لنبيه المصطفى الذي لَا يزيغ قلبه ولا يرتاب فأولى بهذا النهي ثم أولى الذين ربما يعتريهم ذلك وهم من أُرسل إليهم.
وأكد سبحانه النهي عن الريب بقوله تعالى: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) والضمير يعود إلى البيان والقرآن، والحق هو الأمر الثابت الصادق الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد جاء من ربك الذي خلقك ودبر أمورك بحكمته. وقد أكد سبحانه وتعالى أنه الحق بـ (إنَّ) المؤكِّدة، وبأنه من ربك الذي خلق فقدر وهدى، فاجتمع له فضلان فضل ذاتي لأنه الحق في ذاته، وفضل إضافي يؤكد أنه الحق، وهو أنه من عند اللَّه.
ثم قال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) الاستدراك هنا معناه، أن مقتضى الإسلام بينة وبرهان، وأنه حق ثابت أن يؤمن الناس جميعا ما دامت لهم عقول تدرك وقلوب تؤمن، ولكن أكثر الناس لَا يؤمنون، وكان التعبير بالمضارع للإشارة إلى أن أكثر الناس لهم قلوب ليس الإيمان من شأنها بل هم دائما متمردون على الحق وظلم الحقيقة، وهم مفترون على اللَّه تعالى ويكذبون عليه، ولذا قال تعالى:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)
إن الكفر مباءة للآثام، تعيش فيه وتفرخ، ويتبع الإثم إثم مثله، ويأخذ بعضه بحَجُزِ بعض في سلسلة متصلة تبدأ بالشرك باللَّه تعالى ثم بالكذب عليه بتحريم ما أحل اللَّه على أنه من عند اللَّه، والجحود بما أنرل سبحانه والافتراء عليه تعالى وفساد اعتقادهم بأن يعبدوا الأوثان ويقولوا إنهم شفعاؤنا. وهكذا يكون الشرك كالمعاطن التي تحوم حولها الحشرات والجراثيم وكل الموبقات.


الصفحة التالية
Icon