الإهراع الإسراع في رعدة، وقد جاءوا بهذا الإسراع في رعدة الشهوة الجامحة الفاسدة، ولا يستعمل " يهرع " إلا بالبناء للمجهول، جاءوا مسرعين مهتزين مرتعدين من شدة الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، وهم معروفون عند نبي اللَّه لوط عليه السلام بهذه الفاحشة، ولذا قال تعالى: (وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) أي كانوا مستمرين من قبل على عمل السيئات التي تسيء الإنسانية في ذاتها، وتسيئهم وتسيء مجتمعهم، فأدرك لوط ماذا يريدون، وعرض بناته عليهم ليزوجوهن بدل الاسترسال في هذه الفاحشة التي لَا يرضاها الحيوان لفطرته، ويظهر أنه ألح في العرض وألحوا بالرد وتكاثروا بالفساد فقال (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رشِيدٌ) بعد أن لجأ إلى مروءتهم إن كان عند مثل هذا الصنف من الناس مروءة أو بقية من إنسانية فقال: (وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي).
قالوا مصرين على سوئهم وقبح فحشهم.
(قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)
قالوا ما لنا في بناتك من حاجة، وعبروا عن هذه الحاجة بكلمة الحق، فقد توهموا لفرط غلبة الشهوة عليهم أن هذا الذي يفعلونه من إثم حق منحه اللَّه لهم، هم ومن يشبههم من جيل هذا الزمان.
فضاق صدر نبي اللَّه وقد أحسَّ بضعفه أمام قوتهم وكثرتهم وقلة من معه فقال مستيئسًا (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، أي لو أن لي بدفعكم قوة أردكم بها أو آوي إلى قوي أمتنع به دونكم، وشبه ذلك القوي بالركن من الجبل، ويصح القول (أخرج من هذه الأرض الفاسدة وآوي إلى جبل يعصمني منكم ومن شركم)، وكلمة (لَوْ) للتمني، وفي هذا الاستضعاف الشديد يكون فرج اللَّه، فيجد أنه آوى إلى أعظم ركن وهو ركن اللَّه تعالى، وقد رأى ذلك الركن بجانبه وهم الملائكة.


الصفحة التالية
Icon