ولا يقال ما قاله الجهلاء إن القرآن خالف النحو، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: إن الكسر إنباء عن وجود الباء وإن لم ينطق بها ليكون ذلك خفيفا على اللسان، ووافق لغة من لغات العرب الفصيحة.
الأمر الثاني: أن النحو تشتق قوته من القرآن، والقرآن فوقه.
وقوله تعالى: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (تَكَلَّمُ) فعل مضارع حذفت فيه التاء، وأصله لَا تتكلم نفس إلا بإذنه. والضمير يعود على الله تعالى (إِلَّا بِإِذْنِهِ)، لأنه
حاضر في العقول والنفوس والقلوب، ولقد قال تعالى في ذلك: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦).
وكونهم لَا يتكلمون إلا بإذنه لكيلا يقولوا إلا صوابا كما قال تعالى:
(... لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).
ففي هذا اليوم يكون الإقرار بالذنوب من غير مماراة، بل يقرون بالحق؛ لأن هذا يوم الصدق، وإن الكلام في هذا اليوم بالإقرار الصادق، أما أن يكون فيه شقيا لما ارتكب وإما أن يكون سعيدًا، ولذا قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) فمن الجمع المجموع شقي بما ارتكب في النار، وإما سعيد لم يرتكب إثما، فيكون في الجنة، وقد فصل القول سبحانه:
(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)
الشهيق النفس في الصدر، والزفير إخراجه وقيل العكس، (أما) ولتفضيل والبيان لما يئول إليه أمر الشقي، وما يئول إليه أمر السعيد، (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) أي الذين شقوا بأعمالهم في الدنيا، وتسجيلها عليهم بإقرارهم في الآخرة، (فَفِي النَّارِ) أي أن مآلهم النار يدخلونها، (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ)، أي يدخلونها في صدورهم بشهيقهم، ويخرجون منها نارا بزفيرهم، فالنار تكوي جلودهم، وتدخل إلى أحشائهم، يتلظون بها في أبدانهم ظاهرا وباطنا، داخلا وخارجا.


الصفحة التالية
Icon