ومجازيهم فقال: (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ) الضمير يعود على اللَّه تعالى أي أنه تعالى عليم بما يعملون علم من يبصر ويرى، وقدم الجار والمجرور (بِمَا تَعْمَلُونَ) على (بَصيرٌ) للاهتمام بالعمل، وإنه مناظر الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وإن الاستقامة هي أقصى درجات الإحسان، ولقد قال النبي - ﷺ - في تعريف الإحسان: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك " (١).
كان في هذه الآية النهي عن الظلم، ثم أردفها بالنهي عن الارتكان إلى ظالم، فقال:
________
(١) متفق عليه وقد سبق تخريجه من رواية عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه.
(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)
(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، الواو عاطفة هذا النهي على النهي السابق، وهو قوله تعالى: (وَلا تَطْغَوْا) الركون الاستناد، فيقال ركن إلى الجدار أو الجبل أو الركن إذا استند إليه، ويتضمن ذلك النهي الاعتماد على الظالم، والإدهان إليه والميل إليه، والتودد له، والتقرب منه، ومعاونته في الأمر الذي يفعله، وقوله تعالى: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي الذين وقع منهم الظلم، وإن لم يتصفوا بالظالمين، وإذا كان النهي عن مساندة الذين وقع منهم ظلم، فأولى بالنهي من يكون الظلم عادة وسياسة مستمرة لهم، ويلاحظ أن التعبير بالموصول فيه بيان بسبب النهي، وهو مرفوع الظلم منهم، ولقد قال الرسول - ﷺ - في معاونة الظالمين: " ومن سعى مع ظالم، فقد سعى إلى جهنم "؛ لأنه عاونه في ظلمه، ولو أن الذين يظلمون لا يجدون من يعاونهم، ويمانعهم، وينصرونهم على المظلومين ما استمروا يرعونها، حتى تكون فيها أشواك الأذى الممزقة.
ولقد وجدنا ناسا في عهد طاغوت رأيناه أشد من فرعون عتوا، يمالئونه على المسلمين، حتى قتل، وآذي وقطع أطراف الشباب، ووصل عدد قتلاه خمسة


الصفحة التالية
Icon