والنسيم العليل، والمنظر البهيج، ومن أن ثمراتها دائمة لَا تنقطع، فتنعم بحياة دائمة، ونعيم مقيم، ومن أنها ظل دائم مستمر، وتلك مبتدأ خبره (عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا)، أي نهاية الذين اتقوا انتهوا إليها وذكر الموصول للإشارة إلى أن الصلة، وهي التقوى علة تلك العاقبة الحميدة في ذاتها.
ولقد ذكر في مقابل هذه النهاية الحلوة المرتبة عاقبة الكفر والأشرار، فقال:
(وَّعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ)، أي نهاية الكافرينِ الذين كفروا بالله وبآياته، وبنعمه النار يلقون فيها، وهي دائمة، (... كُلَّمَا نضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ خلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ...).
والتعبير بـ (عُقْبَى) في جزاء الأشرار والأبرار للإشارة إلى أنه جزاء أعقب عملا إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والله تعالى لَا يظلم العباد، وهم الذين يظلمون أنفسهم، وله إرادة مختارة، وعقل مدرك، وإذا كانت الأعمال غير مستوية، فالعقبى غير مستوية، فقال تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠).
ولقد بين سبحانه وتعالى مكانة القرآن بين أهل الكتاب، فقال تعالى:
(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)
(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ) ذكر الزمخشري، وغيره أن الذين يفرحون من أهل الكتاب هم اليهود الذين أسلموا كعبد الله بن سلام، والنصارى من نجران واليمن والحبشة، وعدهم ثمانين رجلا، أربعين من نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من اليمن.
وأولئك (يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلُ إِلَيْكَ)، وهو القرآن؛ لأنهم وجدوه مطابقا لما عندهم في التوراة والإنجيل من تبشير بمحمد - ﷺ - إذا كانوا يعرفونه في التوراة والإنجيل، وما أنزل إلى النبي - ﷺ - هو القرآن الكريم.