كتابه إلى هرقل، والنجاشي، والمقوقس، وهذا بعض ما جاء فيه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا...).
والأمر الثاني الذي أنكره اليهود، وهو اليوم الآخر؛ ولذا قال فيه: (وَإِلَيْهِ مَئَابِ)، أي إليه وحده مآب أي مرجعي، لَا إلى غيره من مسيح ونحوه، فإنه يوم القيامة عبد، كما كان في الدنيا عبد من عباده الصالحين الأبرار وإن كانت له منزلة الرسل كإخوانه من أولي العزم من الرسل.
وحض الله تعالى بدعوة النبي - ﷺ -، فقال: (إِلَيهِ أَدْعُو)، أي أدعو إليه وحده، فتقديم الجار والمجرور يدل على أنه لَا يدعو إليه غيره، فلا يدعو ابنا، ولا أما لهذا الابن، ولا روح قدس وغير ذلك مما توهمته الأفلاطونية الحديثة، وأخذوه منها كما يؤخذ الباطل من سلسلة الباطل.
وقد بين الله تعالى معنى الرسالة المحمدية فقال عز من قائل:
(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)
كذلك، التشبيه بين ما هو كائن، وما قدره الله تعالى، وأحكمه، أي كهذا الذي تراه من نزول القرآن بلسان عربي مبين قدرناه وأحكمناه حكما عربيا، ووصف الحكم الإسلامي بأنه عربي؛ لأن القرآن الذي هو حجته عربي؛ ولأن الرسول الذي بعث به عربي؛ ولأنه من سلالة إبراهيم أبي العرب، ولم يكن من سلالة إسحاق، بل من سلالة إسماعيل ضئضئي العرب.
وليس معنى ذلك أنه مقصور حكمه على العرب فتلك فرية، إنما معناه في الحدود التي ذكرناها؛ لأن القرآن شريعته عامة للناس كافة، لَا فرق بين عربي وأعجمي.
ويصح أن يراد من كلمة (حُكْمًا) قرآن، أي أنزلناه قرآنا عربيا، وعبر عنه بحكم؛ لأن ما اشتمل عليه هو الحكم القائم إلى يوم القيامة.