ومن حسنة الدنيا النصر على الشرك وأهله، وغنائم النصر، والتعاون والإخاء، وإقامة حياة فاضلة في المدينة.
هذه حسنة الدنيا (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، (اللام) لام الابتداء للتوكيد، وأجر الآخرة أكبر لأنه نعيم مقيم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فأكل الجنة دائم لَا ينتهي، وقال: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، والضمير في يعلمون يعود إلى المؤمنين، و (لَوْ) تكون للتمني، أي ليتهم يعلمون ذلك علم العيان والرؤية، لَا علم الخبر والذكر، وفي ذلك بيان لفضله، وعظم شأنه، كأنه فوق الخيال والتصور، واختار الزمخشري أن يكون للكفار ولكنه بعيد، وقد قال تعالى في سبب استحقاقهم ذلك الجزاء العظيم.
(الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)
(الذينَ) عطف بيان للمهاجرين، لقد صبر المهاجرون أبلغ الصبر، صبروا على الذي نزل بهم، والظلم الذي وقع عليهم والاستهزاء والسخرية بهم، وتصغير شأنهم، وتحقير أمرهم، وكأنهم الأرذلون، وهم الأكرمون، وصبروا على ترك الأحباب، وترك الأموال وترك الديار.
صبروا على كل ذلك، وعلى أن المشركين حاولوا أن يسدوا باب الأمل في نفوسهم لولا فضل من اللَّه ورحمة، ولكنهم مع ذلك كان أمامهم ربهم فتح لهم السدود، بالتوكل عليه؛ ولذا قال تعالى: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، أي على ربهم وحده، لَا على أحد سواه يتوكلون، وعبر بالمضارع لدوام توكلهم، وقدم الجار والمجرور على الفعل للتخصيص، أي على اللَّه وحده يتوكلون فهو الذي يفتح لهم الأبواب التي يسدها الشرك، ويكون من ورائها الانتصار.
ولقد كان المشركون يعترضون على الرسالة المحمدية بأنها لرجل، ويريدون ملائكة، فبين اللَّه تعالى أن الرسل جميعا من الرجال، فقال عز من قائل:


الصفحة التالية
Icon