قد فسدت فطرتهم وضلت عقولهم، حتى صاروا جديرين بألا يكون منهم إلا الشر.
أو نقول: اللام للعاقبة، ويكون المعنى لتكون العاقبة بأنهم كفروا بما آتيناهم من حق، وكتاب مبارك لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وإذا كانوا على ذلك النحو من الفساد والضلال النفسي فجدير أن يتمتعوا كما تتمتع البهائم من غير تفكر ولا تدبر؛ ولذا (فَتَمَتَّعُوا) (الفاء) للإفصاح إذا كنتم على هذا الضلال وكفران النعمة، والإشراك بربكم (فَتَمَتَّعُوا) والأمر للتهديد، وقوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فيها بيان لما يستقبلهم، وسوف لتأكيد الفعل في المستقبل، أي إذا كنتم في حاضركم متمتعين بما تملكون من متع، فمستقبلكم المغيب عنكم ستعلمونه علم معاينة وهو عذاب شديد، فقوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) يتضمن تهديدا بعذاب مهين.
وقد بين سبحانه نوعا من الاسترسال في عبادتهم الأوثان، وهو أن يجعلوا مما رزقهم الله تعالى من بهائم الأنعام نصيبا، فقال تعالى:
(وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)
وذلك أن هؤلاء المشركين يسترسلون في شركهم، فيحسبون أن من القربى للأوثان أن ينذروا لهم نذورا من الأنعام والحرث، فيجعلون هذا بزعمهم للَّه وللأوثان بزعمهم، ويخافون الأوثان أكثر من خوفهم من اللَّه مع علمهم بأنه لا ينجيهم من كربهم إلا اللَّه تعالى، على ما تبين من قول، وقد قال تعالى في ذلك فى سورة الأنعام: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦).