والظلم ماحق للخير، وإن اللَّه إذا آخذ الناس بظلمهم المستمر المتوالي لعمهم بعذاب من عنده، بريح صرصر عاتية، أو يخسف بهم الأرض، أو يجعل عاليها سافلها، أو بأن تجف السماء فلا تمطر، فيكون الجدب ثم الموت، وبذلك يهلك الناس والدواب، ولم يبق على ظهرها غاثية أو راغية، وبذلك يموت الجميع ولا تبقى دابة، وخلاصة المعنى أن اللَّه تعالى لو آخذ الناس لعمهم بعذاب لَا يترك منها دابة تدب على وجه الأرض، فنقمة الظالم تعم ولا تخصه، كما قال تعالى:
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنكمْ خَاصَّةَ...)، والتعبير
بالمضارع في قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ...) فيه نفي للمؤاخذة في المستقبل، كما لم يؤاخذ في الماضي، لأن الله عدل لَا يأخذ المطيع بجريمة العاصي، ولا يأخذ العجماء بجريمة الإنسان.
(وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)، حيث يمكن تمييز الظالم من العادل، والمسيء من المطيع، والمسئول من غير المسئول، فإذا جاء أجلهم الموقوت لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، والسين والتاء للطلب، والمعنى ليس لهم أن يطلبوا التأخير والتقديم، بل هو لاحقٌ بهم ما يستقبلهم واللَّه أعلم.
وبعد ذلك أشار سبحانه إلى ظلمهم في النساء، وهو ظلم مستمكن في نفوسهم.
(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)
ويجعلون ما يكرهونه، أي ما كان غير مرغوب فيه منهم يجعلونه للَّه، فيجعلون للَّه البنات، لأنهن مكروهات عندهم، ويجعلون مما ذرأ من الأنعام والحرث ما يكرهون، ويجعلون لآلهتهم ما يحبون، ويستخفون برسله لأنهم يكرهونهم وفي الجملة كل شيء لَا يهْوَوْنه يجعلونه لِلَّهِ تعالى.
(وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ)، أي تقول ألسنتهم الكذب، وعبر عن القول بالوصف لأنهم يصفون الباطل، بأنه حق، فهو قول يتضمن وصفا باطلا، يصفون