تعالى بالنسبة للنحل، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) وأضاف الإيحاء إلى الرب سبحانه، لأن ذلك الوحي فيه فائدة للإنسان، وهو من مقتضى الربوبية، ومن النعم التي أنعم اللَّه تعالى بها على عباده فيما تخرجه من بطونها من شفاء للناس.
(أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، (أَن) تفسيرية، وما بعدها تفسير لما قبلها، فالوحي هو أمر الله تعالى لها أن تتخذ من الجبال بيوتا تعيش في كهوفها، وتبيض بيضها فيها، (وَمِنَ الشَّجَرِ)، أي تأخذ من فروع الأشجار بيوتا تصنع فيها ما يصنعه صاحب البيت فيه، (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، أي مما يعرشون على سقوفهم، ومما يعرشونه لها من خلايا.
و (مِنَ) للتبعيض، أي يتخذون بعض الجبال وبعض الشجر وبعض مما يعرشون، وما يخصص لها من خلايا يكون كله لها بهذا التخصيص، ثم قال تعالى:
(ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
عطف سبحانه وتعالى بـ (ثُمَّ) للتراخي بين اتخاذ البيوت من الجبال والأشجار ومما يعرشون، وذلك إشارة إلى أنها تبذل في البيوت نظاما محكما دقيقا مما يأخذ وقتا طويلا، والله تعالى يأمرها بمقتضى الفطرة التي فطرها تعالى: (ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فلا تفرق بين الزهور فكلها طعام لها، فتأخذ من نوار كل زهرة، لَا فرق بين زهر مر، وزهر حلو، وتأخذ من كل الثمرات تأخذ البنفسج والبرتقال والخوخ، والقطن ثم ينساغ في بطنها، ثم تخرجه بعد ذلك عسلا حلوا، مشتبه طعمه ويختلف لونه، ويكون لونه على حسب المرعى، فلون البنفسج يبدو إذا كان غذاؤه من البنفسج، ورائحته تكون مثله، ولون البرتقال إذا كان كذلك، وقال تعالى: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) وهي حال من السبل، أي أن طرائق الله التي ألهمك إياها مذللة سهلة غير مجهولة تغدو من هذه السبل، وتروح منها غير مجهولة لها، ولو ذهبت في طلب الرزق إلى آماد بعيدة.


الصفحة التالية
Icon