الأمر الأول - أن أرذل العمر يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يصيبه الهرم مبكرًا، ومنهم من لَا يصيبه إلا مؤخرا.
الأمر الثاني - أن بعضهم يصيبه خرف الشيخوخة، والصادقون المؤمنون لا يصيبهم خرف الشيخوخة، وإن كانوا ينسون، ومهما يكن فإن الموت قبل بلوغ أرذل العمر أفضل، ولقد كان النبي - ﷺ - يدعو ربه ألا يرد إلى أرذل العمر، فقد روي عنه - ﷺ - أنه كان يدعو " أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر " (١)، وإن ذلك كله بتقدير اللَّه تعالى وعلمه، ولذا قال بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) إن اللَّه بمقتضى علمه قدر كل شيء ونفذه، وهو القادر العليم.
وإن اللَّه تعالى لم يجعل الناس على سواء في الغنى والفقر فقال تعالى:
________
(١) متفق عليه، رواه بهذا اللفظ: البخاري - تفسير القرآن (٤٣٣٨)، ومسلم: الذكر والدعاء - التعوذ من العجز والكسل وغيره (٤٨٧٩).
(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) هذه بيان حال الإنسان من الغنى والفقر، والسعة في الرزق، ومن قدر عليه رزقه، وفيه تهيأ الأسباب ليكسب رزقا وفيرا وخيرا عميما فقال: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) يسير الأسباب فمنكم من سلك السبيل فنال مالا، ومنكم من لم يكن له سبيل إلى مال فكان فقيرا، (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)، أي فما الذين أوتوا سعة في المال ومالا كثيرا وخيرا عميما بِرَادِّي رِزْقِهِمْ أي بجعلهم رزقهم عائدا على ما ملكت أيمانهم من الإماء والعبيد، ليكونوا هم وعبيدهم في المال على سواء فيكون المال لهم جميعا ويكونون فيه سواء.
يقول الزمخشري: إن هذا ما ينبغي، فالآية تدل على ما ينبغي أي يجب أن تكون النعمة التي ينالونها في الرزق تكون ثمرتها عامة بينهم وبين ضعفائهم فلا


الصفحة التالية
Icon