ضعفهم يقولون ادع لنا ربك، فيدعو اللَّه تعالى فيرفع عنهم المقت، ويذهب عنهم السوء، ولكن ما إن يرفعه عنهم ويؤمنهم حتى يعودوا إلى كفرهم المقيت. والقسم الثالث - الآيات القرآنية، والإيمان بها فرع الإيمان بمحمد - ﷺ -، لأن الإيمان بها الإيمان بالقرآن، والإيمان بالآيات الذي نفاه القرآن عنهم، وترتب على نفيه نفي الإيمان والهداية هو الإيمان بالآيات الكونية، والإيمان بالمعجزة الكبرى معجزة النبي - ﷺ -، وهي المعجزة التي تحداهم أن يأتوا بمثلها لعجزوا.
وإنما كان عدم الإيمان بآيات اللَّه مؤديا إلى ألا يهديهم؛ لأن الهداية إنما تكون لمن يفكرون في آيات اللَّه ونعمه، ومن لَا يفكر لَا يهتدي فلا يهديه، ولأن المعجزة الكبرى ضل من لَا يؤمن بها، وهي واضحة بينة، وهي وحدها تدل على أن من يبلغها يبلغ عن اللَّه فلا يهديه اللَّه إلى الحق؛ لأنه ضل سواء السبيل، ولم يبق إلا أن يسير في طريق الضلال إلى نهايته، ويكون له العذاب الأليم يوم القيامة، والأليم: المؤلم.
ولقد قالوا للرسول محمد - ﷺ - (إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ)، وهو المعروف بينم قبل البعثة بالصدق والأمانة، حتى إن اسم الأمين إذا أطلق لَا ينصرف إلا إليه، وكان لا ينادي إلا به، حتى بعث رسولا، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات النبي - ﷺ -: " هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، قال: لَا. قال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على اللَّه " (١).
فلما قال المشركون عن النبي - ﷺ - إنه مفتر رد اللَّه قولهم بقوله تعالت كلماته:
________
(١) جزء من حديث هرقل الطويل، وقد أخرجه البخاري: بدء الوحي - بدء الوحي (١٦، والبخاري: الجهاد والسير - كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل (٣٣٢٢).
(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)
حيثما كان إنكار الحقائق الثابتة كانت مظنة الكذب، فمن لَا يؤمن بالآيات الثابتة لَا يؤمن باللَّه ولا يكون صادقا أبدا؛ لأن الكذب مباهتة الواقع الثابت، ولا