طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤).
وقوله تعالى: (تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا)، أي يحضر الأنفس، وتسأل عما قدمت، وتنطق عليهم أيديهم وألسنتهم، فالحساب تكون أدلته مهيأة ثابتة، ولا يكون إلا الحكم، والحكم للَّه الواحد القهار فلا نقض لحكمه.
(وَتُوَفَى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ)، والمراد جزاء ما عملت، ولكن الأن الجزاء عدل وفاق للعمل، ويساويه تمام المساواة عبر بالعمل بدل الجزاء، إذ هي شيء واحد، أو متساويان تساويا مطلقا، وأكد الله سبحانه المساواة والوفاق بين العمل وجزائه فقال، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُون)، أي لَا ينقص من عملهم شيء، فلا ظلم؛ لأن الحاكم هو اللَّه، وهو خير الفاصلين.
ولقد ضرب اللَّه تعالى المثل للكفران بالنعمة ومآلها والأمثال تضرب للناس لعلهم يعقلون، فقال:
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)
جعل حال قرية مثلا مصورا لمن يكون في رغد العيش والأمن والاستقرار، ثم يكفر بنعمة اللَّه لينزل عليه البلاء فيحرم نعمة الاطمئنان، ويستبدل بها خوفا، أو يحرم رغد العيش، ويستبدل به جورًا، وجعل المثل حال قرية - وهي المدينة الكبيرة لمكة - الدنيوي خسفا أو زلزالا، أو أمطار الحجارة فقط، بل قد يكون العقاب الدنيوي ضيقًا في الرزق بعد السعة، وخوفا بعد أمن، وهذا مجمل معاني النص القرآني؛ (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) (وَضَرَب)، أي بين، (مَثَلًا)، أي حالا ثابتة، (قَرْيةً) وهي مفعول وأخرت عن (مَثَلًا)، وهي المفعول الأول؛ وذلك لأن الأوصاف التي تجيء بعد ذلك كانت أوصافا في القرية، وهو مورد المثل وموضعه، ولأن ذكر المثل بها ثم ذكر مورده وموضعه يكون بعد ترقب واستشراف فيكون أمكن في النفس والفؤاد.


الصفحة التالية
Icon