وقيل: إنهم منعوه من استلام الحجر الأسود إلا إذا كان معهم فلان، وهذا أيضا كلام يحمل في نفسه دليل بطلانه ولا يوجد من الصحاح ما يؤيده أو يشير إليه.
ولعل أقرب الروايات في أسباب نزول هذه الآية هو ما ذكر أن قريشا خلوا برسول الله - ﷺ - ذات ليلة يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لَا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا، وما زالوا به حتى يقاربهم في بعض ما يريدون فعصمه الله، وخير من هذا هو قول أكابر قريش للنبي - ﷺ -: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونستمع منك فهمَّ النبي - ﷺ - بذلك (١)، هذه أصح الروايات في محاولاتهم، ولها شاهد من القرآن الكريم فقد قال تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢).
وقوله تعالى: (وَإِن كَادُوا) ذكر محاولتهم ولم يذكر استجابة النبي - ﷺ - ومعاذ الله أن يستجيب خاتم النبيين، ولكن رغبة النبي - ﷺ - في أن يجذبهم إلى الإسلام ربما كانت سببا في أن يقارب بما دون الاستجابة، ولذا قال تعالى:
________
(١) انظر ما جاء في ذلك في مسلم: فضائل الصحابة - في فضل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (٤٤٣٤).
(وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)
(لولا) يقول علماء اللغة أن (لولا) حرف امتناع لوجود، أي امتناع الجواب لوجود، أي امتنع أن تركن إليهم لوجود التثبيت، أي أن إغراءهم لتعدل عن دعوتك دائم مستمر، ولكن لَا جدوى لأن تثبيت الله دائم مستمر.
وإن هذا يفيد أمورا ثلاثة:
الأمر الأول: تحريض النبي - ﷺ - على الاستمرار على دعوته الحق غير مباليهم في شيء وأن يصر على قوله، ولا يتهاون قيد أنمله فيما يدعو إليه.


الصفحة التالية
Icon