(وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا)، أى كان يائسا يأسا شديدا من روح اللَّه وإنقاذه مما نزل به يأسا شديدا، (... إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).
والشر هو ما يسوء ويؤلم ولو كانت عاقبته خيرا، وقوله تعالى: (مَسَّهُ) إشارة إلى أنه يصيبه ولو قليلا يجعله يائسا من رحمة اللَّه، فالقوة تغريه وتطغيه، والضعف ولو صغيرا يهده ويوئسه.
وهذا كقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١).
معنى الآيات السابقة والقرآن الكريم في محكم آياته يبين أن الناس على أصناف شتى فمنهم المهتدي الذي يتجه إلى الحق اتجاها من غير اعوجاج، ومنهم الضال المعرض عن الحق إعراضا، ومنهم المنافق، ومنهم الذين يسلمون ولم يؤمنوا أو يرجى لهم الإيمان، وكل يسير في طريقه مختارا منتهيا إلى ما كتب له، وهذا قوله تعالى:
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)
(قُلْ) يا نبي اللَّه (كلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)، أي كل فريق، فالتنوين في (كُلٌّ) قائم مقام المضاف إليه الذي يقدر بما يناسب المقام، والشاكلة الناحية أو الطريقة أو المذهب، أي كل يعمل على ناحيته التي اختارها والمذهب الذي اعتنقه، وهذا كقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦).
لقد حاولوا أن يفتنوا النبي - ﷺ - عن دينه، فكأن هذه الآية رد عليهم؛ ومعناها قد اخترتم ما اخترتموه فاتركوا الناس أحرارا في اختيارهم، ولا تفتنوهم


الصفحة التالية
Icon