بـ (سَأَتْلُو)، أي سأخبركم بخبره وأقص عليكم قصصه، والتعبير بـ (أتلو) يشير إلى أنه قد نزل فيه قرآن وما أقص هو قرآن صادق لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد.
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)
أي جعلناه ممكنا في الأرض آتيناه حكما ثابت الدعائم قائما على عُمُد ثابتة ممكَّنة، وآتيناه سببا من كل شيء، السبب هو الطريق الموصل والحبل المربوط الذي يصل بين الأشياء، أي آتيناه سببا من كل شيء، بأن آتيناه علما يوصل لأي شيء يختاره، فآتيناه من السلطان أسبابا، ومن العلم أسبابا، ومن الإصلاح الزراعي والتجاري. والسبب في الأصل الحبل، فالمعنى آتيناه علما يتخذه سببا لكل ما يرى.
(فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)
أي أنه يردف السبب سببا لشيء آخر، وهكذا تتوارد أسباب العمل سببا يتبع سببا، أي يجيء من بعده تابعا له، وهكذا مُكِّن في الدنيا، إذ اتخذ سبيل الحق والعدل، يسلك الأسباب الموصلة بما آتاه اللَّه من العلم والإدراك فإذا كان عادلا منصفا استقر حكمه، وانتظمت الأمور، وإذا انتظمت الأمور قويت الجماعة واستقامت الأخلاق وسادت الفضيلة وانتصرت في الحروب وإذا انتصرت أنصفت، وجلبت المصالح، ودفعت المضار، وهكذا تترادف الأسباب وتستقيم الأمور، وإنه بتوافر الخير واتخاذ الأسباب المكونة لدولة قوية عادلة، سار في الأقاليم فاتحا ناشرا لواء والعدل.
ولذا سار يجوس خلال الدول فاتحا مظلا الجماعات بلواء العدل.
(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)
اتجه في سيره إلى غرب بلاده أولا، لأنها الأقاليم التي تصاقبه، وإن الحاكم العادل يؤمِّن أرضه من جيرانه أولا، ثم يتجه إلى ما بعدها شيئا فشيئا حتى يصل


الصفحة التالية
Icon