الاختبار الذي سماه " فتنة " إلى نفسه، وهو العليم بكل شيء قبل وقوعه، وبعد وقوعه، فالأزمان تكون بالنسبة للناس لَا بالنسبة للذات العلية.
وعبر سبحانه فقال: (قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) أضاف القوم إليه استحثاثا لهمته، وقوة في عتابه، أي أنهم قومه الذي جاء لإخراجهم من طغواء فرعون، ولكن لم يزل الأثر المسمى في عقولهم فطغى بتعاليمه عليهم نفسيا، وإن خلعوا الربقة، وأزالوا رق الأجساد، فلم يزيلوا رق النفوس، ولقد قال تعالى: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)، أي أوقعهم في الضلال، والسامري شخص انتقل معهم من مصر، كان يجيد النحت والتصوير، ولم ينص على أنه من الإسرائيليين أو أهل مصر الأصليين، ويغلب على الظن أنه إسرائيلي اندمج مع المصريين وعرف صناعاتهم، وقيل: إنه كان هنديا يعبد البقر، ثم اعتنق ديانة بني إسرائيل.
(فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)
" الفاء " تفيد الترتيب والتعقيب، ففور أن بين الله تعالى ما كان بقومه رجع إليهم في حال غضب وحزن، ولذا قال تعالى: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) والقوم هنا هم الإسرائيليون جميعا الذين كان منهم الذين عبدوا العجل ولم يكونوا عددا قليلا، بل كانوا كثيرين، وإن لم يكونوا الأكثرين، والغضب هو الثورة النفسية للمفاجأة بأمر مؤلم لم يكن يتوقعه، والأسف: الحزن الذي يسكن النفس بسبب أمر غير مقبول، ولا يوجد له أي مبرر، والحزن من شأنه أن يوجد في النفس كآبة، وهمًّا وغمًّا، وكذلك كانت حال موسى عليه السلام عندما علم من ربه أن قومه عبدوا العجل، ولكن الحكمة النبوية توجب ألا يسترسل في الكآبة والغم، والانفعال، بل لابد أن يعالج الوقف باستنكار شديد وحزم الشر واجتثاثه من أصله، وكذلك فعل، فقال لائما مستنكرا:
(يَا قَوْمِ) هذا نداء مقرِّب بأنه منهم يؤلمه ما يضلهم، ويفرحه ما يكون خيرا لهم (أَلَمْ يَعِدْكمْ رَبُكمْ وَعْدًا حَسَنًا) أي ألم يعدكم ربكم بخيري الدنيا والآخرة، وهو


الصفحة التالية
Icon