إن الماء جسم ولكن لا يقال له جسد، وقد ذكر ذلك الراغب في مؤلفاته، فقد جاء فيه في مادة جسد ما نصه:
" الجسد كالجسم لكنه أخص، قال الخليل: لَا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضا فإن الجسد ما له لون، والجسم يقال لما لَا يبين له لون كالماء والهواء، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ...).
يشهد لما قال الخليل. وقال: (عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) وقال تعالى:
(وَأَلْقَيْنَا عَلَى كرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب)، وباعتبار اللون يقال للزعفران جساد وثوب مجسد بالجساد ".
وأظن هذا واضحا في أن الجسد يستعمل كالجسم، والجسم أعم من الجسد.
فقوله تعالى: (جَسَدًا لَّه خوَارٌ) لَا يمنع أنه جسم لَا حياة فيه، وربما كان التعبير بالجسد مناسبا لقوله تعالى (لَهُ خُوَارٌ) ولكنه جسم لَا حياة فيه.
ولذا قال تعالى في بيان أنه ليس فيه حياة قط:
(أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)
الفاء للإفصاح، أي أنهم قالوا (هَذَا إِلَهُكَمْ وَإِلَهُ مُوسَى) ولس له من صفات الألوهية شيء، (أَفَلا يَرَوْنَ) و " الفاء " مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة، والتقدير فأَلا يَرَوْنَ أنه لَا يرجع لهم قولا، أي يرد لهم قولا ولا يجيبهم في قول، و " أن " هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الحال والشأن، ورَجع القول إجابته فهو لَا يرد إجابة سائق يسوقه، ولا قائد يقوده، ولا يعرف قولا كما يعرف الحيوان، فليس فيه أمر يدل على حياته حتى يعد حيا في أحياء الحيوان، وإذا كان فإنه لَا يمكن أن يكون إلها، وإذا كان حيا فلا يمكن أيضا أن يكون إلها، لَا يمكن أن يكون إلها لأنه لَا ينفع، فهم أخطئوا لأنهم عدّوه حيا، وكفروا لأنهم عبدوه إلها، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا.
* * *