إلى أن متعة الدنيا بريق لَا يكون بعده قوة حقيقية، فهي متع كالسراج المزهر سرعان ما ينطفئ، وما أنت عليه يا محمد لَا ينطفئ نوره أبدا.
وإن غاية هذه الزهرات إلى انطفاء، وهي اختبار لهم، ولذلك قال تعالى: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)، أي لنعاملهم معاملة المختبرين فيزدادوا طغيانا على طغيانهم.
وتنكشف حقيقة أمرهم، ويعرف ما فيهم من غي وشر، والتعدية بقوله (فِيهِ) دون التعبير بالباء، وللإشارة إلى أنهم مغمورين في فتنة دائمة قد أحاطت بهم فهم يسارعون فيها من جنبة إلى جنبة وقد أحيط بهم.
(وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) والرزق هو ما يعطيه الله لعباده من أسباب النفقة وقد يطلق على المعاني؛ لأنها غذاء القلوب وقوت العقول، ويكون ذلك من باب المجاز، وقد رزق النبي - ﷺ - ومن معه من المؤمنين أنواعا ثلاثة من الرزق أولها وأعلاها وأكملها الهداية، وثانيها: المال الطاهر النقي، والثالث: القوة في ذات أنفسهم كما بدت في الجهاد.
وهذا خير؛ لأنه أبقى في ذاته، وأبقى لأن له جزاء يوم القيامة، وهو النعيم المقيم قال تعالى:
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) أمر الله تعالى نبيه بالصبر، وأمره بما يقوله، وهو أن يكون مستحضرا لله تعالى منزها له حامدا في الصلاة وغيرها، ونهاه عما يضعف الإرادة وهو النظر إلى زخارف الدنيا وزينتها، وما عليه أهلها، ثم بين سبحانه أن الصلاة الدائمة المستمرة هي عدة المؤمنين، وعدة الصابرين، وإنه يجب أن يكون المؤمن في جو الصلاة بأن يكون بيته مقيما للصلوات فقال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) قال بعض العلماء: أهل النبي هم أهل بيته أو ذوو قرابته، وذلك ظاهر بيّن، وأمرهم بجعل بيت النبي جوه كله مقيما للصلاة، والصلاة والصبر توأمان، كما قال تعالى فيما تلونا: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)،