تواردت على هذا المعنى وتعاونت على آدابه، وهو (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) أي أن الأرض كلها بقاصيها ودانيها لله، وأنها ليست لملك طاغ، ولا لزعيم. مفسد ولا لرئيس يقود الناس إلى مراتع الفساد ومواطن التهلكة، إنما هي لله (يَرِثُهَا عبَادِيَ الصَّالِحُونَ) أي يعطيها مالك الملك لعباده الصالحين، وعبر بقوله (يَرِثهَا) للإشارة إلى أن الصالحين يخلفون من كانوا عليها من فاسدين ظالمين عتاة، وذلك كقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...)، وإن العاقبة تكون دائما للمتقين. وهنا التفات من الغائب إلى العودة إلى ضمير المتكلم، وهو الله جل جلاله، فالكلام بلغة المتكلم في قوله تعالى:
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْد الذكرِ أَن الأَرْضَ يَرِثهَا) فانتقل إلى الغائب ثم عاد إلى المتكلم في قوله: (عِبَادِيَ)، وفي ذلك تأكيد أن هذا مكتوب في كتبه سبحانه في كتبه المنزلة، وإضافة العباد إليه سبحانه.
وإن ذلك وعد سجله سبحانه في كتبه بأن مآل هذه الأرض لعباده الصالحين، برغم جنحات المفسدين وغلبتهم وسعيهم بالفساد في الأرض.
وقد يعترض الذين يأسرهم الزمان الذي يعيشون فيه، ولا تنفذ بصائرهم إلى ما وراءه بأن المفسدين في الأرض الذين اتخذوا من العلم بالكون، وسائل تخريب في الأرض، وتمكين للظلم، وأن أهل الحق الصالحين مغلوب عليهم مستضعفون، ونقول: إن ذلك حكم حقبة من الزمان هي التي نعيش، ولكن الله تعالى أخبر أن المآل للصالحين، والله أعلم بالمفسدين، وإن خبره صادق والمستقبل غيب لَا يعلمه إلا هو، ولنا أن نصدق الله ونكذب حكم الزمان في القابل.
(إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)
اسم الإشارة يشير إلى هذا الخبر الكريم الذي أخبر به الحكيم العليم، وأن العاقبة للصالحين، والبلاغ يطلق بمعنى المنتهى والكفاية، ويطلق بمعنى التبليغ، وعلى