الجملة السامية الأولى دالة على القصر بالنفي والإثبات أي ما أرسلنا ذا سلطان، ولا ذا مال، لَا لأي عرض من أعراض الدنيا، ولكن أرسلنا مبشرا بالحق داعيا إليه منذرا من يتمسك بالباطل أو يدعو إليه، أرسلناك فقط لتبشير من يبتغون الحق بالنعيم المقيم وجنة الفردوس، ومن يصرون على الباطل لهم عذاب الجحيم.
ومعنى هذا القصر الثابت بالنفي المستغرق، والاستثناء الموضح أنه - ﷺ - هاد مرشد، فلا تعبثوا بهذه الحقيقة بما تثيرون من أوهام باطلة، وتصدون عن سبيل اللَّه تعالى بهذه الترهات الفاسدة.
وأمر اللَّه تعالى نبيه أنه لَا يريد أجرا إلا الهداية واتباع الحق، فقال عز من قائل:
(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)
الأمر في (قُلْ) للنبي - ﷺ -، وقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يقول ذلك القول؛ لأنهم قالوا وأشاروا وصرحوا أنه يريد سيادة دنيوية في جاه يبتغيه، أو مال يتموله، فهو - ﷺ - الذي يتولى الرد، وبيان أنه لَا يريد إلا الهداية (مَا أَسْألُكمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) من - هنا دالة على استغراق النفي، أي لَا أسئلكم على هذا الإرشاد والتوجيه الذي أدعوكم به إلى ترك الأوثان وعبادة اللَّه تعالى وحده أي أجر، وإن فائدة هذه الدعوة مغبتها عليكم إذا اهتديتم، وتعود عليكم بالعقاب إن كفرتم.
ثم قال تعالى مستثنيا من الأجر (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا).
هذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلا، ويحتمل أن يكون منقطعا، وعلى أنه متصل يكون المعنى ظاهرا والمعنى لَا أسألكم أجرا تدفعونه، أو تؤدونه، إلا ابتغاء من شاء أن يتخذ إلى ربه منهاجا مستقيما، وطريقا موصلا إلى ربه، فإن ذلك هو الأجر الذي أبتغيه، وهو نعم الأجر ونعم الجزاء، فيكون الكلام دالا على مطلبه - ﷺ -، ودالا على شرف الغاية التي يبتغيها، فليس يطلب مالا ولا جاها، ولكن يطلب هداية وتوفيقا وإرشادا.


الصفحة التالية
Icon