سورة الطور
قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ١ يقول - سبحانه -: أَحَدثوا من غير محدِث، أم هم أحدثوا أنفسهم؟. ومعلوم أن الشيء المحدَث لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجوداً بنفسه، بل إن حصل ما يوجده، وإلا كان معدوماً ٢.
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣ وهذا يحتمل أن يُراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر٤؛ لأن كثيراً منهم مات ولم يعذب في الدنيا٥، أو المراد أعم من ذلك٦.

١ سورة الطور، الآية: ٣٥.
٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٧٦). وللإمام ابن القيم كلام بديع في تقرير الحجة من هذه الآية وما بعدها فانظره إن شئت في الصواعق المرسلة (٢/٤٩٣، ٤٩٤).
٣ سورة الطور، الآية: ٤٥-٤٧.
٤ قال السمعاني ـ في تفسير القرآن (٥/٢٨٠، ٢٨١) ـ: الأكثرون على أنه عذاب القبر.
٥ من أوّل إيراد الآيات إلى هنا هو في كتاب الروح لابن القيم، ص (٧٥) من غير زيادة ولا نقصان.
٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٧٢، ٥٧٣). والمؤلف أشار بقوله: (أو المراد أعم من ذلك) إلى أقوال أُخر لم تذكر هنا. انظر ما ذكر وما لم يذكر ـ هنا ـ في جامع البيان (٢٢/٤٨٦، ٤٨٧)، وإعراب القرآن للنحاس (٤/٢٦٣)، وتفسير القرآن لأبي الليث (٣/٢٨٧)، وزاد المسير (٨/٦٠).
وقد ذهب الإمام ابن جرير ـ في جامع البيان (٢٢/٤٨٨) ـ إلى القول بالعموم. وقال ابن القيم ـ في كتاب الروح، ص (٧٥) ـ: (وقد يقال ـ وهو أظهر ـ أن من مات منهم عذب في البرزخ، ومن بقي منهم عذب في الدنيا بالقتل وغيره، فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ).


الصفحة التالية
Icon