وأما أهل التأويل فإنهم يقولون: يؤتون أجرهم مرتين: مرة بإيمانهم بمُحَمَّد قبل أن يبعث، ومرة بإيمانهم بعدما بعث، والأول أشبه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) بما صبروا: مرة بإسلامهم، ومرة بما صبروا، وحلموا على أذى أُولَئِكَ الكفرة، ولم يكافئوهم، بل خاطبوهم بخير حيث قالوا: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).
وروي في بعض الأخبار عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل آمن بنبي ثم إذا بعث نبي آخر آمن به، ومملوك لرجل يخدمه ويحسن خدمته ويعبد ربه، ورجل ربى جاريته ثم أعتقها فتزوجها ".
وقوله: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ): هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: يحسنون إليهم بعد إساءتهم إليهم وأذاهم إياهم على ما كانوا يفعلون ويصنعون إليهم قبل ذلك.
والثاني: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي: يعفون عن أذاهم ولا يكافئونهم فيكون كقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ...) الآية، والأول كقوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
وقوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أي: ينفقون في حق اللَّه وسبيل الخير، وإلا كل كافر ينفق كقوله: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ...) الآية.
وقوله: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) هذا -أيضًا- يحتمل وجهين:
إذا سمعوا منهم من الكلام ما يتأذون من كلام اللغو والأذى والفرية، أعرضوا عنه، أي: لم يكافئوهم لأذاهم.
والثاني: إذا سمعوا ما يلغون به من الباطل أعرضوا، أي: لم يخالطوهم فيما هم فيه؛