قال الحافظ ابن كثير: (وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالِم، ولكن الواجب والأولى بالعالِم أن يفعله مع مَنْ أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب عليه السلام: ﴿قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قلت: ولا يحول الوقوع والزلل دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذ كان الزلل والوقوع من العالِم لا يشبهه مثله من عامة الناس، فإن زلة العالم مضروب لها الطبل، ولكن إن حصل منه شيء من الزلل فلا يعني الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال مالك، عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر). قال مالك: (وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء؟ ).
قلت: بل إن استمرار العالم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعينه بإذن الله على النهوض من زلة الشيطان وضعف النفس، ويحمله ذلك المنهج على الخجل من الله سبحانه ومن نفسه فيسارع إلى ضبط أعمال لسانه وجوارحه وقلبه. وأما المذموم فهو منهج النفاق الذي اتخذه بعض القصاص والخطباء لهم سلوكًا وتشبهوا به بأحبار بني إسرائيل.
ففي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
وقد حفلت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أسامةَ بن زيدٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [يُؤتى بالرجل يومَ القيامة فَيُلْقى في النار، فتندلق أقتابُ بطْنِه، فيدور بها كما يدور الحِمارُ بالرَّحى، فيجتمِعُ إليه أهل النار، فيقولون: يا فلانُ! ما لك؟ ألم تَكُنْ تأمُرُ بالمعروف وتنْهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه] (١).

(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩)، وأحمد (٥/ ٢٠٥).


الصفحة التالية
Icon