إسماعيل حين تركها إبراهيم عليه الصلاة والسلام - امتثالا لأمر ربه - عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد ولا ماء، فقامت تسعى حين نفد ماؤها سعي الإنسان المجهود متذللة خائفة وجِلة مضطرة فقيرة إلى الله سبحانه، حتى فرّج الله كربتها، وآنس وحشتها، وكشف مصابها (١). قال الحافظ ابن كثير: (فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُلّه وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه).
وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.
فيه أقوال:
١ - قيل: زاد في طَوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة. قلت: وهذا قول بعيد.
٢ - قيل: يطوف بينهما في حجَّةِ تطوع أو عُمْرة تطوع.
قال ابن زيد: (من تطوع خيرًا فاعتمر فإن الله شاكر عليم. قال: فالحج فريضة، والعمرة تطوع، ليست العمرة واجبةً على أحد من الناس).
٣ - قيل: السعي بينهما تطوع ومستحب. وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين. وَرُوِيَ عن أنس وابن عمر وابن عباس. قال القرطبي: (واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾). قال مجاهد: (من تطوع خيرًا فهو خيرٌ له، تطوّعَ رسول الله - ﷺ - فكانت من السنن).
٤ - قيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. ذكره الرازي.
قال القاسمي: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من فعل خيرًا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به).
قلت: والراجح من الأحاديث المتقدمة أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، فيكون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ محمولًا على زيادة الطاعات والقربات هناك وذلك في سائر العبادات.