وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر أنه قال: (لا أوتى بِمحلِّل ولا محلَّلٍ له إلا رجمتهما). وروى البيهقي عن سليمان بن يسار: (أن عثمان بن عفانَ رُفِعَ إليه رجل تزوّج امرأة لِيُحِلَّها لزوجها، ففرّق بينهما) ذكرهما الحافظ ابن كثير.
وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
أي: الزوج الثاني رغبة منه بذلك بعد دخوله بها كما نكحها رغبة منه بالنكاح، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أي: المرأة والزوج الأول بعقد ومهر جديدين. قال ابن عباس: (إذا تزوجت بعد الأول فدخل الآخر بها، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها، فقد حلّت له).
وقوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
قال مجاهد: (إن ظنا أن نكاحهما على غير دُلْسَةٍ). وقال ابن كثير: (أي: يتعاشرا بالمعروف). وهو قول طاووس: (إن ظنا أن كل واحد منهما يُحسن عشرة صاحبه). وقيل: حدود الله فرائضه. وقيل: يدخل في ذلك خدمة المرأة زوجها وقيامه بالنفقة والرعاية. قال القرطبي: (وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا -يعني أمر خدمة المرأة زوجها-، ألا ترى أن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك، ويأخذونهن بالخدمة، فلولا أنها مستحقة لما طالبوهنّ ذلك).
قلت: ومما يؤيد وجوب خدمة المرأة زوجها وبيته وذريته بالمعروف، ما أخرج النسائي في "عشرة النساء"، وأحمد في المسند بسند صحيح عن حصين بن محصن قال: [حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض الحاجة فقال: أي هذه! أذات بعل؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (١)، إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك] (٢).
وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾.
أي: شرائعه وفرائضه وأحكامه. ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يوضحها لأهل العلم.
(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في "عشرة النساء"، وأحمد (٤/ ٣٤١)، والبيهقي (٧/ ٢٩١).