مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر
د. مساعد بن سليمان الطَّيَّار
المقدمة
الحمد لله مُتِمِّ النِّعمِ على عباده، يعيدُ فضلَه عليهم كما يبديه لهم، وينشر لهم رحمته، ويُيسِّر لهم عبادته. والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله الطاهرين، وعلى صحبِه الكرام، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فلقد كنتُ أحجمُ عن تحريرِ بعضِ المصطلحاتِ خوفَ الوقوعِ في مشكلةِ تفلسفٍ لا معنى لها، وكنت قد تتبعت بعض المصطلحات، فرأيت فيها خللاً من جهة التعريفِ، أو خللاً من جهة النتائج، كمصطلح التَّفسيرِ، ومصطلح التفسير الموضوعي، ومصطلح الإعجاز العلمي(١)

(١) لقد كتبت في هذا الموضوع رسالة أرجو أن ييسِّر الله أمرها، وقد كنت أتحاشى الكتابة في هذا الموضوع لما فيه من كثرة المطروح، وبعد أن قرأت في بعض هذه الكتب التي تتحدث عن الإعجاز العلمي، ظهر لي أنَّ الأمر يحتاج إلى إيضاح لهذا الموضوع، وضبطٍ لما يُفسَّر به القرآن من هذه القضايا التي أنتجها البحث التجريبي المعاصر، وظهر لي أنَّ في تسميته بهذا الاسم خللاً، وأنَّه يصدق عليه أن يكون ((دلائل صدق القرآن))، وليس الإعجاز، كما أنَّ التفسيرات غيره ليست علميَّة، مع ملاحظة أنَّ هذه التسمية فيها آثار التغريب الذي يجعل العلوم الدنيوية توسم بالعلم، وغيرها من العلوم الأدبية والاجتماعية والشرعية على وجه الخصوص لا توسم بذلك، والموضوع ذو شجون، وإنما أشرت إليه هنا لأخلص إلى سؤالين طُرحا عليَّ بشأن مسألتين متعلقتين بما يُسمَّى الإعجاز:
السؤال الأول: فيما ظهر لبعض الناس من توافق عددي بين ما حصل من الحدث العظيم الذي عاقب الله به الكفار في (٢٠٠١: ٩: ١١)، مع آية في سورة التوبة، فقد ظهر لذلك القارىء أنَّ الآية العاشرة بعد المائة (١١٠) تشير إلى أحد البرجين الذي تتكون طوابقه من هذا العدد، وأنَّ عدد السورة في ترتيب المصحف هي التاسعة تشير إلى الشهر الميلادي، وأنَّ الجزء الذي فيه هذه الآية هو الحادي عشر تشير إلى اليوم الذي وقع فيه هذا الحدث، فزعم أنَّ هذا من إعجاز القرآن، لأنه - بزعمه - أشار إلى هذا الحدث المستقبلي!.
ولا أدري لِمَ لَمْ ينظر إلى العدِّ بالحساب القمري، ولا ذكر البرج الثاني الذي لا يتوافق مع العدد الذي ظهر له؟!.
وهذا بلا شكٍّ موافقة غير مقصودة، والآية نازلة في مسجد الضرار، وليس هنا علاقة بينها وبين ما حدث لا من قريب ولا من بعيد، ومن قال: إنَّ هذا البرج من مباني الضرار، فأين موقع الآخر من الآيةِ، وإذا كان يعدُّ هذين البرجين من مباني الضرار، قياسًا على مسجد الضرار، فإنه يدخل في الآية كل مباني الكفار التي يعملون بها ضد العالم، وضدَّ المسلمين بالذات.
ثمَّ ما الحاجة الداعية إلى هذا الربط الغريب العجيب، ومن ذا الذي يجزم بأن هذا مرادٌ لله، إنَّ هذا مما يدخل في الرأي المذموم، لأنه قول على الله بغيرِ علمٍ، ما أكثر ما يقع من أصحاب ما يسمَّى بالإعجاز العلمي، أو التفسير العلمي.
وهل يعتمد صاحب هذا القول على أنَّ هذا الترتيب جاء بالتوقيف، أم يرى أنَّه على ما جاء من مصادقة الترتيب هذه.
فإن كان جاء مصادفةً، فما أكثر المصادفات التي يمكن أن تظهر لكَ، فقد تظهر لك مصادفات متعلقة بالأرقام وأنت تقرأ كتاب تاريخ، أو غيره، فهل هذه المصادفات من قبيل الإعجاز؟!.
وإن كان يزعم أنَّ هذا مرادٌ، وأنه ليس من قبيل المصادفة، فقوله منقوضٌ بأمورٍ:
الأول: أنَّ ترتيب الأجزاء من عمل المتأخرين، وليس فيه توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عمل اجتهاديٌّ.
الثاني: أنَّ في ترتيب السور قولين: قيل: إنه اجتهادي، وقيل: إنه توقيفي، ولعل من ظهر له هذا التوافق العجيب لا يعلم بهذا، وإن عَلِمَ فهل حرَّر مسألة التوقيف والاجتهاد في ترتيب السور ليجعل ما توصل إليه من هذا التوافق صحيحاً.
الثالث: هل يعلم قائل هذا القول علماً يُسمَّى ((علم عدِّ الآي))؟ وهل يعلم أنه مختلفٌ في عدد آي هذه السورة على قولين:
الجمهور على أنها مائة وثلاثون آية، وفي العدِّ الكوفي الذي عليه عدُّ المصحف الذي بين يديك عدد آياتها مائة وتسع وعشرون آية. وعلى قول الجمهور ينتقضُ عدد الآية، لأنه يكون عددها على قولهم آية ١١١، فهل دَرَى بهذا، وحرَّر هذه المسألة؟.
وكأني بك أيها القارىء الكريم تقول: قد أطلت في هذا، وهو مما لا يحتاج إلى إطالة في بطلانه، فأقول لك متعذرًا: إنَّ عصرك عصرٌ يسود فيه من يأتي بالغرائب، ويبرز فيه من يحسن جلبها، فأحببت أن أردَّ من يتعرَّضُ لكتاب الله بما لا يقبله عقل العقلاءِ، ولكي يُعلمَ أنَّ العلم له بابٌ من أراده من غير بابه خرج بما لا تقبله العقول، وجاء بما لا ينطلي إلا على قلوب الأغرار، ولو كانوا يُعدُّون عند الناس من الكبار.
وإني أخبرك بأنك لست بحاجة لإثبات عظمة القرآن وصدقه إلى هذا السبيل، وهو ما يسمى بالإعجاز، إذ أنه ليس هو السبيل الوحيد لإثبات عظمة هذا القرآن، بل هو أحد هذه السُّبل، واعلم أن العلم وحده قد لا يكفي ما لم يكن له قوة تحميه، وإنَّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فافهم عني ما قلت، والله الموفق إلى سواء السبيل.
السؤال الثاني: قال السائل سمعت في شريط الإعجاز العلمي للدكتور زغلول النجار حديثه عن ما يتعلق بقوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) [الحديد: ٢٥]، وكان مما قاله في هذا ما نصُّه: ((كنت أُلقي هذه المحاضرة في جامعة ملبورن في إستراليا من أربع سنوات، فوقف لي أستاذ كيمياء في الجامعة، وقال لي: يا سيدي، هل حاولت أن تقارن بين رقم سورة الحديد في القرآن الكريم والوزن الذري للحديد، ورقم الآية في السورة والعدد الذري للحديد؟.
قلت له: لا، موضوع الأرقام موضوع حرج للغاية، إذا لم يدخله الإنسان بحذر شديد يدمِّر نفسه.
قال: أرجوك، حينما تعود إلى بلدك أن تتحقق من هذه القضية...
أتيت بالمصحف الشريف، وبالجدول الدوري للعناصر وكتاب في الكيمياء غير العضوية، فأذهلني أن رقم سورة الحديد سبع وخمسون، والحديد له ثلاث نظائر (٥٤، ٥٦، ٥٧) ورقم الآية في السورة (٢٥)، والعدد الذري للحديد (٢٦)، فقلت: إن هذا القرب الشديد لا بدَّ أن له تفسيراً، فألهمني ربي آية قرآنية مبهرة، يقول فيها الحق تبارك وتعالى مخاطباً هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم... ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) [الحجر: ٨٧]، فالقرآن بنصه يفصل الفاتحة عن بقية القرآن الكريم، ويعتبر الفاتحة مقدمة للقرآن، فقلت: إذا فصلنا الفاتحة عن بقية سور القرآن الكريم يصبح رقم سورة الحديد (٥٦)، ولو بقيت (٥٧)، ففيه نظير للحديد (٥٧)، لكن أكثر النظائر انتشارًا للحديد (٥٦).
الآية رقمها (٢٥)، والعدد الذري للحديد (٢٦)، ووجدت القرآن الكريم يصف الفاتحة بأنها سبع من المثاني، وآياتها ستٌّ، فالبسملة آية من الفاتحة وآية من كل سورة قرآنية ذكرت فيها البسملة ما عدا سورة التوبة، فإذا أضفنا البسملة في مطلع سورة الحديد يصبح رقم الآية (٢٦)، ويعجب الإنسان إلى هذه اللفتة المبهرة، من الذي علَّم المصطفى ﷺ ذلك قبل ألف وأربعمائة سنة، لم يكن أحد يعلم شيئًا عن الأوزان الذرية، ولا لأعدادها الذرية، ولكن هذه معجزة هذا الكتاب الخاتم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذه الومضات القرآنية المبهرة تبقى دائمًا شهادة صدق على أن القرآن كلام الله، وأنَّ هذا النبي الخاتم ﷺ كان موصولاً بالوحي)) (محاضرة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، للدكتور زغلول النجار، تسجيلات أحد).
ولا أرى أنه يخفى على العامِّي قبل المتعلِّم ذلك التَّكلف الذي قام به الدكتور الفاضل لإثبات قضية لا شأن لها في ذاتها، فضلاً عن أن تكون معجزة من معجزات القرآن، ولا يخفى على طالب العلم ما وقع له في تفسير الآية، ولا أدري هل يعرف الدكتور الفاضل التفسير النبوي لهذه الآية؟! فالوارد عنه ﷺ يجعل السبع المثاني والقرآن العظيم وصفين للفاتحة، والعطف هنا من باب عطف الصفات لا عطف الذوات، فقد روى البخاري وغيره جملة من الأحاديث في هذا المعنى، ومنها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أم القرآن: هي السبع المثاني والقرآن العظيم)). رواه البخاري برقم (٤٧٠٤)، وقال ابن كثير معلقًا على هذه الروايات: ((فهذا نصٌّ في أنَّ الفاتحة السبعُ المثاني والقرآن العظيم)). تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة (٥٤٧: ١)، وما دام ثبت النص عن النبي ﷺ بهذا، فإن غيره من الأقوال تسقط، ويكون تفسير الآية ما قاله صلى الله عليه وسلم.
كما لا يخفى ما وقع منه في جزمه بأن البسملة آية من كل سورة، بلا تحقيق في هذه المسائل، ولا رجوع إلى أهل العلم الذين يُعرفُ كلامهم فيها، بل اختار ما يناسب ما يريد أن يذهب إليه، وهو معرض عن ما لا يناسبه، بل تحقيق علميٍّ، كما عوَّده البحث في العلوم التجريبية، وهل يصحُّ هذا الاختيار بلا تحقيق؟!
وكذلك لا يسعفه علم عدِّ الآي فعدد آيات السورة في العدِّ الكوفي والبصري (٢٩)، وفي عدِّ الباقين (٢٨)، وبهذا تكون الآية (٢٤) بدلاً من أن تكون (٢٥)، ولو جعل البسملة آية على هذا القول، لصارت الآية (٢٥)، ولا نتقض ما بناه أيضًا.
وكل هذا التكلف في محاولة ربط مثل هذه القضايا بالقرآن إنما يصدر ممن يأتي إلى القرآن بمقررات سابقة ويريد أن يطوِّع القرآن لمقرراته، ضاربًا بكل ما خالفها عُرض الحائط، ولو كان ما خالف قولَه هو العلم الصحيح، وفي هذه المحاضرة في الإعجاز العلمي أخطاء أخرى ليس هذا محلُّ عرضِها.
(ينظر في ما ذُكر من عدِّ الآي: كتاب البيان في عدِّ أي القرآن، للداني، تحقيق: الدكتور غانم قدوري الحمد).


الصفحة التالية
Icon