قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ ؛ أي قالت اليهودُ : قلوبنا ممنوعةٌ من القَبُولِ ؛ فردَّ الله عليهم بقوله :﴿ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ؛ أي أنَّهم ألِفُوا كُفْرَهُمْ فاشتدَّ إعجابُهم به ومحبَّتُهم لهُ فمنَعَهم الله الألطافَ والفوائدَ التي منحَ اللهُ المؤمنين مجازاةً لَهم على كُفرِهم.
قرأ ابن محصين :(غُلُفٌ) بضمِّ اللام. وقرأ الباقون بجزْمِها. فمَن خفَّف فهو جَمْعُ الأَغْلُفِ مثل أصفر وصُفر ؛ وهو الذي عليه غشاوةٌ وغطاءٌ بمنْزلة الأغلفِ غيرِ المختون ؛ والأقلفُ مثله، أي عليها غِشَاوَةٌ فلا تَعِي ولا تفقهُ ما تقولُ يا مُحَمَّد! قالَهُ قتادة ومجاهد ؛ نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾[فصلت : ٥].
ومَن ثقَّلَ (غُلُّفٌ) فهو جَمْعُ غِلاَفٍ مثل : حجابٍ وحُجُبٍ ؛ وكتابٍ وكُتُبٍ، ومعناه : قُلُوبُنَا أوْعِيَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ ؛ فَلاَ نَحْتَاجُ إلَى عِلْمِكَ وَكِتَابكَ ؛ فَهِيَ لاَ تَسْمَعُ حَدِيْثاً إلاَّ وَعَتْهُ ؛ إلاَّ حَدِيْثَكَ لاَ تَعِيَهُ وَكِتَابَكَ ؛ قاله عطاءُ وابن عباس. وقال الكلبيُّ :(يُرِيْدُونَ أوْعِيَةً لِكُلِّ عِلْمٍ فَهِيَ لاَ تَسْمَعُ حَدِيْثاً إلاَّ وَعَتْهُ ؛ إلاَّ حَدِيْثَكَ لاَ تَعِيَهُ وَلاَ تَعْقِلَهُ. فَلَوْ كَانَ فِيْهِ خَيْرٌ لَفَهِمَتْهُ ولَوَعَتْهُ) قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ وأصلُ اللَّعنِ : الطردُ والإبعادُ ؛ فمعناهُ : طَرَدَهُمُ اللهُ ؛ أي أبعدَهم من كلِّ خيرٍ. وقال النضرُ بن شُميل :(الْمَلْعُونُ : للْمُخْزَى وللْمَلِكِ).
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ قال قتادةُ :(مَعْنَاهُ مَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إلاَّ قَلِيْلٌ ؛ وَهُوَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَأصْحَابُهُ ؛ لأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ أكْثَرُ مِمَّنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ). فعلى هذا القولِ ﴿ مَا ﴾ صلةٌ معناهُ : فقَلِيلاً يؤمنونَ. ونصبَ (قَلِيْلاً) على الحالِ، وَقِيْلَ : على معنى صَارُوا قليلاً يُؤمنون. وَقِيْلَ : معناهُ : إيْمانُهم باللهِ قليلٌ ؛ لأنَّهم يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ. وانتصبَ (قَلِيْلاً) على هذا التأويلِ على معنى : إيْماناً قليلاً يؤمنون.
وقال معمر :(مَعْنَاهُ لاَ يُؤْمِنُونَ إلاَّ بقَلِيْلٍ مِمَّا فِي أيْدِيْكُمْ وَيَكْفُرُونَ بأَكْثَرَ) وعلى هذا القول يكون (قَلِيْلاً) منصوباً بنَزع الخافضِ، و(ما) صلةٌ ؛ أي فبقليلٍ يؤمنون. وقال الواقديُّ وغيره :(مَعْنَاهُ لاَ يُؤْمِنُونَ قَلِيْلاً وَلاَ كَثِيْراً) وهذا كقولِ الرجُل للآخرِ : ما أقلَّ ما تفعلُ كذا! يريد لا يفعلهُ البتَّةَ.


الصفحة التالية
Icon