قَوْلَهَ تَعَالَى :﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾، هذا تحريضٌ من الله على مِلَّةِ نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ التي هي مِلَّةُ إبراهيمَ ؛ لأنََّ إبراهيمَ وإسماعيل كانَا سألاَ في دعائِهما أن يجعلَ اللهُ من ذريَّتهما في مكةَ رَسُولاً ؛ لأن الكلامَ كان في ذِكْرِ مكةَ ولم يكن أحدٌ من أهلِ مكة من ذرِّيتهما نبياً سوى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وملةُ إبراهيمَ داخلةٌ في ملةِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ مع الزيادات التي في شرائعِ هذه المِلَّةِ.
وسببُ نزول هذه الآية : أنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ سَلاَمٍ دَعَا ابْنَي أخِيْهِ مَسْلَمَةَ وَمُهَاجِرَ إلَى الإسْلاَمِ، وَقَالَ لَهُمَا : قَدْ عَلِمْتُمَا أنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي التَّوْرَاةِ :(إنِّي بَاعِثٌ مِنْ ولْدِ إسْمَاعِيْلَ نَبيّاً اسْمُهُ أحْمَدُ، فَمَنْ آمَنَ بهِ فَقَدِ اهْتَدَى وَرَشَدَ ؛ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بهِ فَمَلْعُونٌ) فَأَسْلَمَ مَسْلَمَةُ وَأبَى مُهَاجِرُ أنْ يُسْلِمَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ ﴾ أيْ يتْرُكُ دِيْنَهُ وَشَرِيْعَتَهُ.
يقال : رَغِبْتُ في الشيءِ ؛ إذا أرَدْتُهُ، وَرَغِبْتُ عَنْهُ ؛ إذا تَرَكْتُهُ. والرغبةُ في اللغة : مَحَبَّةُ مَا لِلنَّفْسِ فِيْهِ مَنْفَعَةٌ. ولِهذا لا يجوزُ في صفاتِ الله : رَاغِبٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي خَسِرَ وَهَلَكَ. وقال الكلبيُّ :(ضَلَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ). وقال بعضُ أهلِ اللغة : سَفِهَ بمَعْنَى يَسْفَهُ، وقيل :(سَفِهَ نَفْسَهُ) أي جَهِلَ نَفْسَهُ بمعنى لم يتفكَّر في نفسهِ أنَّ لَهَا خَالِقاً. وقيل : سَفِهَ فِي نَفْسِهِ ؛ إلا أنهُ حذف الخافض فنُصِبَ، مثلُ قولهِ تعالى :﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾[البقرة : ٢٣٥] أي على عُقْدَةِ النكاحِ. ويقال : ضربتُهُ الظهرَ والبطنَ ؛ أي على الظهرِ والبطنِ ؛ وأصلُ السَّفَهِ وَالسَّفَاهَةِ : الْجَهْلُ وَضَعْفُ الرَّأيِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ ؛ أي للرسالةِ. وأصلُ الطَّاءِ فيه التاءُ، جعلت طاءً لقرب مخرَجِها ولتطوُّع اللِّسانِ به. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ؛ أي الفائزينَ. قاله الزجَّاجُ. وَقِيْلَ : الْمُسْتَوْجِبيْنَ لِلْكَرَامَةِ. وقيلَ : في الآيةِ تقديمٌ وتأخير، تقديرهُ : ولقد اصطفيناهُ في الدنيا والآخرةِ وإنَّه لَمِنَ الصالحينَ، نظيرهُ في سورةِ النحل :﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾[النحل : ١٢٢].