قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ ؛ أي عَدْلاً ؛ وقيل : خِيَاراً، يقالُ في صفةِ النبيِّ ﷺ :[هُوَ أوْسَطُ قُرَيْشٍ حَسَباً] ويقالُ : فلانٌ وسيطٌ في حَسَبهِ ؛ أي كامِلٌ مُنْتَهٍ في الكمالِ ؛ ولأن المتوسِّطَ في الأمور لا يفرِّطُ فَيَغْلُو ولا يُقَصِّرُ فَيَتَّضِعُ، فهذه الأمةُ لم تَغْلُو في الأنبياءِ كَغُلُوِّ النصارى حيث قالُوا : المسيحُ ابن الله! ولم يقصَّروا كتقصيرِ اليهود حيث كذَّبوا الأنبياءَ وقَتَلُوهُمْ. وأصلهُ أن خيرَ الأشياءِ أوسطُها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ ؛ أي شهداءَ للنبيين صلوات الله عليهم بالتبليغِ. وقد يقامُ مقام اللام في مثلِ قوله :﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾[المائدة : ٣] أي للنُّصب ؛ وقولهُ تعالى :﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ ؛ أي ويكون مُحَمَّدٌ ﷺ عليكم شهيداً معدِّلاً مزكّياً لكم، وذلك أن الله تعالى يجمعُ الأولين والآخِرين في صعيدٍ واحد، ثم يقولُ لكفار الأمم :﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾[الملك : ٨]، فينكرون ويقولون : ما جاءَنا من نذير، فيسألُ الأنبياءَ عن ذلك فيقولون : قد بلَّغناهم. فيسألهم البينةَ إقامةً للحجة عليهم ؛ وهو أعلم بذلك، فيؤتى بأمة مُحَمَّدٍ ﷺ فيشهدونَ لَهم بالتبليغِ، فتقولُ الأمم الماضية : من أينَ عَلِموا ذلك وبيننا وبينهم مدةٌ مديدة ؟ فيقولوا : عَلِمْنَا ذلك بإخبار الله تعالى إيَّانا في كتابهِ الناطق على لسان رسولِ الله، فيؤتَى بالنبيِّ ﷺ ؛ فيزكِّي أُمَّتَهُ ويشهدُ بصدقهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ ؛ أي ما أمرتُك يا مُحَمَّدُ بالتوجه إلى بيت المقدس ثم بالتحويل منها إلى الكعبة إلا ليتميز من يتبع الرسول ممن يرجع إلى دينه الأول. وقيل : ومعناه :﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي ﴾ أنتَ ﴿ عَلَيْهَآ ﴾ وهي الكعبةُ لقوله تعالى :﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾[آل عمران : ١١٠] أي أنتم ؛ إلا لنرى ونُمَيِّزَ من يتبع الرسول في القبلة ممن ينقلبُ على عَقِبَيْهِ فيرتدَّ ويرجع إلى قِبلته الأُولَى. قولهُ :﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ أي ليتقرَّر علمنا عندكم. وقيلَ : معناه : ليعلَمَ محمدٌ ﷺ ؛ فأضاف علمه إلى نفسهِ تفصيلاً وتخصيصاً كقولهِ تعالى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ﴾[الأحزاب : ٥٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ ؛ أي وإن كان اتباعُ بيت المقدس ثم الانتقال إلى الكعبة لشديدٌ ؛ ﴿ إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ ؛ أي حَفِظَ الله قلوبَهم على الإسلام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ ؛ أي تصديقكم بالقبلتين. وقيل : معناهُ : وما كان الله ليفسدَ صلاتكم إلى بيت المقدس ؛ وذلك أنَّ حُيَيَّ ابْنَ أخْطَبَ وَأصْحَابَهُ مِنَ الْيَهُودِ قَالُواْ لِلْمُسْلِمِيْنَ : أخْبرُونَا عَنْ صَلاَتِكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أكَانَتْ هُدًى أمْ ضَلاَلَةً ؟ فَإِنْ كَانَتْ هُدًى فَقَدْ تَحَوَلْتُمْ عَنْهَا! وَإنْ كَانَتْ ضَلاَلَةً فَقَدْ ذَنَّبْتُمُ اللهَ بها. وَمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَيْهَا فَقَدْ مَاتَ عَلَى الضَّلاَلَةِ ؛ وَكَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ التَّحْوِيْلِ إلَى الْكَعْبَةِ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنْ بَنِي النَّجَّار ؛ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَرِجَالٌ آخَرُونَ.