قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ﴾ ؛ أي ولَنَخْتَبرَنَّكُمْ يا أُمةَ مُحَمَّدٍ بشيء من الخوف ؛ يعني خوفَ العدوِّ والفزع في القتال ؛ وقحط السنين وقلة ذات اليد ؛ ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ ﴾ ؛ أي هلاك المواشي وذهاب الأموال. وقوله تعالى :﴿ وَالأَنفُسِ ﴾ ؛ أراد به الموت والقتل والأمراض، وقولهُ تعالى :﴿ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ ؛ أي لا يخرجُ الثمار والزروع كما كانت تخرج من قبل ؛ أو تصيبها آفة ؛ وأراد بالثمراتِ الأولادَ لأنَّهم ثمرة القلب وهم إذا هم شُغِلُوا بالجهاد منعهم ذلك عن عمارة البساتين ومناكحةِ النساء ؛ فيقلُّ أولادهم وثمرة بساتينهم.
وقالَ بعضُهم : معناه ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ ﴾ أي خوف الله تعالى، ﴿ وَالْجُوعِ ﴾ يعني صوم رمضان ؛ ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ ﴾ أداء الزكاة الصدقات ؛ ﴿ وَالأَنفُسِ ﴾ الأمراض ؛ ﴿ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ موت الأولاد ؛ لأن ولد الرجل ثمرة فؤاده ؛ يدل عليه قوله عَلَيْهِ السَّلاَمُ :" إذا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْمَلاَئِكَةِ : أقَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ، فِيَقُولُ : أقَبَضْتُمُ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ : نَعَمْ، فَيَقُولُ : مَاذا قَالَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : حَمَدَكَ وَاسْتَرْجَعَكَ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ ؛ أي على هذه الشدائدِ والبلايا بالثواب لتطيبَ أنفسهم. ثم وصفَهم فقال :﴿ الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ؛ ﴿ الَّذِينَ ﴾ نعتُ للصابرين ؛ ومعناهُ : الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ من هذه المصائب ؛ ﴿ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ عبيدٌ وملكٌ يحكمُ فينا بما يشاء من الشدة والرخاء، إن عِشنا فإليه أرزاقُنا، وإن مِتْنا فإليه مردُّنا، وإنا إليه راجعون في الآخرة.
قال عكرمةُ :" طُفِئ سِرَاجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فقَال :[إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ] فَقِيْلَ : يَا رَسُولَ اللهِ أمُصِيْبَةٌ هِيَ، قَالَ :[نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيْبَةٌ] " وقال ابنُ جبيرٍ :(مَا أُعْطِيَ أحَدٌ فِي الْمُصِِيْبَةِ مَا أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ - يعني الاستراجاعَ - وَلَوْ أُعْطِيَهَا أحَدٌ لأُعْطِيَهَا يَعْقُوبُ عليه السلام، ألاَ تَسْمَعُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي فَقْدِ يُوسُفَ :﴿ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾[يوسف : ٨٤]). وَقَالَ ﷺ :" مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيْبَةِ جَبَرَ اللهُ مُصِيْبَتَهُ وَأحْسَنَ عُقْبَاهُ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفاً صَالِحاً يَرْضَا ".


الصفحة التالية
Icon