قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ ؛ أي من حلال ما رزقناكم من الحرث والأنعام وسائر المأكولات، قال ﷺ :" إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إلاَّ الطَّيِّبَ، وَإنَّ اللهَ تَعَالَى أمَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ بما أمَرَ بهِ الْمُرْسَلِيْنَ ؛ فَقَالَ : يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ، وقال : يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ؛ أي وَاشْكُرُوا للهِ على ما رزقكم وأباحَ لكم من النعم إنْ كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ ؛ أي إن كنتم تُقِرُّونَ أنه إلَهُكُمْ ورازقُكم، وهذا أمرُ إباحةٍ وتخيير ؛ أعني قوله تعالى :﴿ كُلُواْ ﴾ لأن تناولَ المشتهَى لا يدخلُ في التعبد ؛ وقد يكون الأكلُ تعبُّداً في بعض الأحوال عند دفعِ ضرر النفسِ أو تقويتها على الطاعة، وعند مساعدةِ الضيفِ إذا امتنعَ عن الأَكل.
فلما نزلت هذه الآية قالتِ الكفارُ : إذاً لم تكن البَحيرةُ والسائبة والوصيلة محرمةً في المحرمات، فأنزلَ الله تعالى قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ ؛ قرأ السلمي :(إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْكُمُ) براء مضمومة مخففة (الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) رفعاً.
وروي عن أبي جعفرَ أن قرأ :(حُرِّمَ) بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها ورفع ما بعدها. وقرأ إبراهيمُ بن أبي عبيلة :(إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) بنصب الحاء والراء وتشديد الراء ورفع الميتة وما بعدها، وجَعل (مَا) بمعنى الذي المنفصلة، ويكون موضع (مَا) نصباً باسم إنَّ ؛ وما بعدها خبرها. كما قال :﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ ﴾[طه : ٦٩]. وقرأه الباقون (حَرَّمَ) بنصب الحاء وتشديد الراء ونصب (الْمَيْتَةَ) وما بعدها، وجعلوا (إنَّمَا) كلمة واحدة تأكيداً وتحقيقاً. والميتة : ما لَم يُذَكَّ، والدمُ : يعني المسفوحَ الجاري. وهذه الآية مخصوصةٌ بالسُّنة ؛ وهو قوله ﷺ :" أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ : السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ : الْكَبدُ وَالطُّحَالُ ".
قَوْلُهَ تَعَالَى :﴿ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ ﴾ أرادَ جميعَ أجزائه وكل بدنهِ، فعبَّر ذلك باللحم ؛ لأنه معظمهُ وقِوامه. وقوله تعالى :﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ أي ما ذُكِرَ عليه عند الذبح اسمُ غير الله، قال ابنُ عباس ومجاهد وقتادة والضحاك :(يَعْنِي مَا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيْتِ كُلِّهَا) وأصلُ الإهلال رفعُ الصوت، ومنه إهلال الحجِّ ؛ وهو رفعُ الصوتِ بالتلبية، ومنه إهلالُ الصبي واستهلاله ؛ وهو صياحه عند خروجه من بطن أمِّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ؛ قرأ عاصمُ وحمزة ويعقوب وأبو عمرو :(فَمَنِ اضْطُرَّ) بكسر النون فيه وفيما يشابهه مثل (أنِ اقْتُلُواْ) وأمثاله. وقرأ ابن محيصن :(فَمَن اضْطُرَّ) بإدغام الضاد في الطاء حتى يكون طاء خالصة.
ومعنى الآية : فمن أُحرجَ فالتجأَ إلى ذلك بالمجاعة والإكراهِ، ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ أي غير طالب لذلك ؛ أي غير طالب تلذُّذٍ، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ أي ولا متجاوز قدر ما يسدُّ به رَمَقَهُ، وقوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ نصبَ (غَيْرَ) على الحال، وقيل : على الاستثناءِ، وإذا رأيتَ (غَيْرَ) لا يقع في موضعها (إلاَّ) فهي حال ؛ وإذا يقع في موضعها (إلاَّ) فهي استثناء ؛ فَقِسْ على هذا.