قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أُولَـائِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ ؛ أي الذين مالوا إلى التحريف للتوراة والإنجيل هم الذين استبدلوا الكفر بالإيمان، وقوله تعالى ﴿ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ﴾ معناه : أنَّ الإيمانَ بالنبي ﷺ يوجبُ المغفرةَ ؛ والكفرَ به يوجب العذابَ ؛ فيكونُ المستبدِلُ للكفر بالإيْمان مُشترياً للعذاب بالمغفرة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ قال الحسنُ وقتادة والربيع :(وَاللهِ وَمَا لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ صَبْرٍ ؛ وَلَكِنْ مَا أجْرَأهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إلَى النَّار!). وقال الكسائيُّ وقطرب :(مَا أصْبَرَهُمْ عَلَى عَمَلِ أهْلِ النَّار ؛ أيْ مَا أدْوَمَهُمْ عَلَيْهِ). وقيل : معناهُ : ما ألقاهم في النار. وقال عطاءُ والسدي :(مَعْنَاهُ : مَا الَّذِي أصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار، وَأيَّ شَيْءٍِ صَبَّرَهُمْ عَلَى النَّار حِيْنَ تَرَكُواْ الْحَقَّ وَاتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ).
وَقِيْلَ : هو لفظُ استفهامٍ بمعنى التوبيخ لهم والتعجب لنا، كأنه قال : ما أجرأهم على فعل أهل النار مع علمهم. قالوا : وهذه لغةٌ يَمانية. وقال الفراءُ :(أخْبَرَنِي الْكَسَائِيُّ ؛ قَالَ : أخْبَرَنِي قَاضِي الْيَمَنِ : أنَّ خَصْمَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ، فَوَجَبَتِ الْيَمِيْنُ عَلَى أحَدِهِمَا ؛ فَحَلَفَ، فَقَالَ لَهُ خَصْمُهُ : مَا أصْبَرَكَ عَلَى اللهِ! أيْ مَا أجْرَأكَ عَلَى اللهِ).