قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ أُولَـائِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ معناهُ : إنَّ الذين يسألونَ الله تعالى الدنيا والآخرة لهم حظٌّ ونصيب وافرٌ من الثواب والخيرِ والجزاء اكتسبوهُ في حجِّهم ؛ وفي هذا بيانُ استجابة دعائهم على القطعِ.
وعن ابنِ عباس في هذه الآية :" أنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إنَّ أبي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، أفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ :[أرَأيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أبيْكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ، أمَا كَانَ ذَلِكَ يُجْزِي؟] قَالَ : نَعَمْ، قَالَ :[فَدِيْنُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى]، قَالَ : فَهَلْ لِي مِنْ أجْرٍ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ أُولَـائِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾. يعني مَن حجَّ عن ميتٍ كان الأجرُ بينه وبين الميتِ ".
وقال سعيدُ بن جبير : جَاءَ رََجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إنِّي أكْرَيْتُ دَابَّتِي وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِمْ أنْ أحُجَّ، فَهَلْ يُجْزِيْنِي ذَلِِكَ ؟ قَالَ :(أنْتَ مِنَ الَّذِيْنَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ :﴿ أُولَـائِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ يعني إذا حاسبَ فحسابهُ سريعٌ لا يحتاج إلى عقدِ يدٍ ولا إلى وعيِ صدرٍ ولا رؤية ولا فكرٍ. وقال الحسنُ :(أسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ). وفي الخبر :" أنَّ اللهَ تعالى يحاسبُ العبادَ في قدر حَلْب شاة ؛ وأن محاسبةَ الله تعالى ليست كمحاسبة الناسِ بعضهم لبعضٍ، يحاسبهم جميعاً في لحظةٍ واحدة، يظنُّ كُلُّ واحد أنه يحاسبهُ خاصةً، لا يشغله شيءٌ عن شيء " ومعنى الحساب : تعريفُ اللهِ تعالى عبادَه مقادير الخير على أعمالهم، وتذكيرهُ إياهم بما قد نَسَوْهُ. يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾[المجادلة : ٦]. وقيل : معناهُ سريع الحساب ؛ أي سريع الْمُجَازَاةِ، وفيه إخبارٌ عن سرعةِ فناء الدنيا وقيامِ الساعة.


الصفحة التالية
Icon