قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ ؛ يعني اذكروا اللهَ تعالى بالتكبيرِ إدبار الصلوات وعند الجمراتِ، يكبر مع كلِّ حصاةٍ ؛ وغيرها من الأوقاتِ. واختلفوا في الأيام المعدوداتِ ؛ فروي عن ابنِ عباس والحسنِ ومجاهد وعطاء والضحاكِ والنخعي :(أنَّ الأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ : أيَّامُ التَّشْرِيْقِ ؛ وَالأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ : أيَّامُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) ؛ وهكذا رُوي عن أبي حنيفةَ وأبي يوسف ومحمدٍ. وروي أيضاً عن ابنِ عباسٍ :(أنَّ الأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ : أيَّامُ الْعَشْرِ، وَالأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ : أيَّامُ النَّحْرِ).
ولا شكَّ أن في هذه الرواية غلطاً وهي خلافُ الكتاب ؛ لأنَّ الله تعالى عقَّب الأيامَ المعدودات بقوله :﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ؛ وليس في العشرِ حكمٌ بتعليقِ يومين دون الثالث. وعن أبي يوسف :(أنَّ الْمَعْلُومَاتِ : أيَّامُ النَّحْرِ، وَالْمَعْدُودَاتِ : أيَّامُ التَّشْرِيْقِ) ؛ قال هذا القولَ استدلالاً من الآيتين ؛ لأنَّ الله تعالى قال في ذِكر الأيامِ المعلومات :﴿ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾[الحج : ٢٨]. وقال في هذه الآية :﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾، فيومَ النَّحر على هذه الرواية من المعلوماتِ دون المعدوداتِ ؛ وآخرِ أيام التشريق من المعدوداتِ دون المعلوماتِ ؛ واليومُ الثاني والثالثُ من أيام النحرِ من المعلوماتِ والمعدودات جميعاً.
والجوابُ عن استدلالِ أبي يوسف من الآيتين : أنَّ لفظَ المعلومات يقتضي الشُّهرة ولفظَ المعدودات يقتضي تقليلَ العدد كما في قوله :﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾[يوسف : ٢٠] فاقتضى الظاهرُ أنَّ المعدوداتَ أقل من المعلوماتِ ؛ ويحتملُ أنْ يكون معنى﴿ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾[الحج : ٢٨] لِمَا رزقهم كما قال اللهُ تعالى :﴿ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾[البقرة : ١٨٥] أي لِما هداكم، فكأنَّ اللهَ تعالى أرادَ بالمعلوماتِ أيامَ العشر ؛ لأنَّ فيها يومَ النحر وفيه الذبحُ، ويكون ذلك اليومُ بتكرار سنين عليه أيَّاماً.
وأما الذِّكْرُ المذكورُ في هذه الآية فهو الذِّكْرُ عندَ رَمْيِ الجِمار في أيامِ التشريق. وقال بعضُهم : هو التكبيرُ في إدبار صلاةِ العصر في هذه الأيام ؛ يكبَّر من صلاة الغداةِ مِن يوم عرفة إلى صلاةِ العصر من آخر آيامِ التشريقِ عند جماعةٍ من الفقهاء. والتأويلُ الأولُ أصحُّ وأقرب إلى ظاهرِ القرآن ؛ لأن اللهَ تعالى عقَّب الذكرَ في هذه الآية بقوله :﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ أي من تعجَّل الرجوعَ إلى أهلهِ فلا إثمَ عليه في تركِ الرمي في اليوم الثالث ؛ ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ ؛ إلى آخرِ النَّفْرِ وأقام هنالكَ في اليوم الثالث، ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ ؛ أي لِمن اتَّقى الإثمَ والفسوقَ والتفريطَ في حقوق الحجِّ كلها. وأما مَن لم يَتَّقِ فغيرُ موعود له الثوابُ. وقال ابنُ عمر وابنُ عباس وعطاءُ وعكرمة ومجاهدُ وقتادة والضحاك والنخعيُّ والسديُّ :(مَعْنَى الآيَةِ : فَمَنْ تَعَجَّّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أيَّامِ التَّشرِيْقِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيْقِ ؛ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ فِي تَعْجِيْلِهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنِ النَّفْرِ فِي الثَّانِي مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيْقِ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَتَّى يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ؛ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِيْرِ، فَإنْ لَمْ يَنْفِرْ فِي الْيَوْمِ الثًّانِي وَأقَامَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ؛ فَلْيُقِمْ إلَى الْغَدِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيَرْمِي الْجِمَارَ ثُمَّ يَنْفِرُ مَعَ النَّاسِ).


الصفحة التالية
Icon